Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: كتاب الغصب

كتاب الغصب

وهو الاستيلاء على ما للغير من مال أو حقّ عدواناً . وقد تطابق العقل والنقل ـ كتاباً وسنةً وإجماعاً ـ على حُرمته ، وهو من أفحش الظلم الذي قد استقلّ العقل بقُبحه .

وفي النبويّ : «من غصب شبراً من الأرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة» ، وفي نبويّ آخر : «من خان جاره شبراً من الأرض ، جعله الله طوقاً في عنقه من تخوم الأرض السابعة ; حتّى يلقى الله يوم القيامة مطوّقاً ، إلاّ أن يتوب ويرجع» ، وفي آخر : «من أخذ أرضاً بغير حقّ كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر» ، ومن كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) : «الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها» .

(مسألة 1) : المغصوب : إمّا عين مع المنفعة من مالك واحد أو مالكين ، وإمّا عين بلا منفعة ، وإمّا منفعة مجرّدة ، وإمّا حقّ ماليّ متعلّق بعين . فالأوّل : كغصب الدار من مالكها ، وكغصب العين المستأجرة من المؤجر والمستأجر . والثاني : كما إذا غصب المستأجر العين المستأجرة من مالكها في مدّة الإجارة . والثالث : كما إذا أخذ المؤجر العين المستأجرة ، وانتزعها من يد المستأجر ، واستولى على منفعتها مدّة الإجارة . والرابع : كما إذا استولى على أرض محجّرة ، أو عين مرهونة بالنسبة إلى المرتهن الذي له فيها حقّ الرهانة ، ومن ذلك غصب المساجد والمدارس والرباطات والقناطر والطرق والشوارع العامّة ، وكذا غصب المكان الذي سبق إليه أحد من المساجد والمشاهد ; على احتمال([1])موافق للاحتياط .

(مسألة 2) : المغصوب منه قد يكون شخصاً ، كما في غصب الأعيان والمنافع المملوكة للأشخاص والحقوق لهم ، وقد يكون النوع أو الجهة ، كغصب الرباط المعدّ لنزول القوافل ، والمدرسة المعدّة لسكنى الطلبة إذا غصب أصل المدرسة ومنع عن سكنى الطلبة ، وكغصب الخمس والزكاة قبل دفعهما إلى المستحقّ ، وكغصب ما يتعلّق بالمشاهد والمساجد ونحوهما .

(مسألة 3) : للغصب حكمان تكليفيّان : وهما الحرمة ووجوب الردّ إلى المغصوب منه أو وليّه ، وحكم وضعيّ ، وهو الضمان ; بمعنى كون المغصوب على عهدة الغاصب ، وكون تلفه وخسارته عليه ، وأنّه إذا تلف يجب عليه دفع بدله ، ويقال لهذا الضمان : ضمان اليد .

(مسألة 4) : يجري الحكمان التكليفيّان في جميع أقسام الغصب ، فالغاصب آثم فيها ويجب عليه الردّ . وأمّا الحكم الوضعي ـ وهو الضمان ـ فيختصّ بما إذا كان المغصوب من الأموال ; عيناً كان أو منفعة ، فليس في غصب الحقوق ضمان اليد([2]) .

(مسألة 5) : لو استولى على حُرّ فحبسه لم يتحقّق الغصب ; لابالنسبة إلى عينه ، ولابالنسبة إلى منفعته ، وإن أثم بذلك وظلمه ; سواء كان كبيراً أو صغيراً ، فليس عليه ضمان اليد([3]) الذي هو من أحكام الغصب ، فلو أصابه حرق أو غرق ، أو مات تحت استيلائه من غير تسبيب منه ، لم يضمن ، وكذا لايضمن منافعه ، كما إذا كان صانعاً ولم يشتغل بصنعته في تلك المدّة فلايضمن اُجرته . نعم لو استوفى منه منفعة ـ كما إذا استخدمه ـ لزمه اُجرته ، وكذا لو تلف بتسبيب منه ، مثل ما إذا حبسه في دار فيها حيّة فلدغته، أو في محلّ السباع فافترسته، ضمنه من جهة سببيّته للتلف، لا لأجل الغصب واليد.

(مسألة 6) : لو منع غيره عن إمساك دابّته المرسلة ، أو من القعود على فراشه ، أو عن الدخول في داره ، أو عن بيع متاعه ، لم يكن غاصباً وإن كان عاصياً وظالماً له من جهة منعه ، فلو هلكت الدابّة ، وتلف الفراش ، أو انهدمت الدار ، أو نقصت قيمة المتاع بعد المنع ، لم يكن على المانع ضمان اليد . وهل عليه ضمان من جهة اُخرى أم لا ؟ أقواهما العدم في الأخير ، وهو ما إذا نقصت القيمة . وأمّا في غيره فإن كان الهلاك والتلف والانهدام غير مستند إلى منعه ; بأن كانت بآفة سماويّة وسبب قهريّ ـ لايتفاوت في ترتّبها بين ممنوعيّة المالك وعدمها ـ لم يكن عليه ضمان . وأمّا إذا كان مستنداً إليه ، كما إذا كانت الدابّة ضعيفة ، أو في موضع السباع وكان المالك يحفظها ، فلمّا منعه المانع ولم يقدر على حفظها وقع عليها الهلاك ، ففي الضمان تأمّل ، لكنّه أحوط([4]) .

(مسألة 7) : استيلاء الغاصب على المغصوب ـ وصيرورته تحت يده عرفاً ـ يختلف باختلاف المغصوبات ، والميزان صيرورة الشيء كذلك عدواناً ، ففي المنقول ـ غير الحيوان ـ يتحقّق بأخذه بيده أو بنقله إليه أو إلى بيته أو دكّانه أو أنباره ، وغيرها ممّا يكون محرزاً لأمواله ; ولو كان ذلك لابمباشرته بل بأمره ، فلو نقل حمّال بأمره كان الآمر غاصباً ، وكفى في الضمان ، بل ولو كان المنقول في بيته أو دكّانه ـ مثلاً ـ وطالب المالك ولم يؤدّه إليه ، وكان مستولياً على البيت والدكّان ، يكفي في الضمان ، بل لو استولى على الفراش ـ مثلاً ـ ولو بقعوده عليه كفى ، ولايكفي مجرّد القعود وقصد الاستيلاء ما لم يتحقّق ذلك عرفاً ، وهو مختلف في الموارد . كما أنّ في الحيوان ـ أيضاً ـ هو الميزان ، ويكفي الركوب عليه لو أخذ مقوده وزمامه ، أو سوقه بعد طرد المالك ودفعه ، أو عدم حضوره إذا كان يمشي بسياقه ويكون منقاداً له ، فلو كانت قطيع غنم في الصحراء ومعها راعيها ، فطرده واستولى عليها بعنوان القهر والانتزاع من مالكها ، وجعل يسوقها وصار بمنزلة راعيها يحافظها ويمنعها عن التفرّق ، فالظاهر كفايته في تحقّق الغصب لصدق الاستيلاء عرفاً . وأمّا غير المنقول فيكفي في غصب الدار ونحوها ـ كالدكّان والخان ـ أن يسكنها أو يسكن غيره ممّن يأتمر بأمره فيها ، بعد إزعاج المالك عنها أو عدم حضورها ، وكذا لو أخذ مفاتيحها من صاحبها قهراً ، وكان يغلق الباب ويفتحه ويتردّد فيها . وأمّا البستان فكذلك لو كان له باب وحيطان ، وإلاّ فيكفي دخوله والتردّد فيه بعد طرد المالك بعنوان الاستيلاء وبعض التصرّفات فيه ، وكذا الحال في غصب القرية والمزرعة . هذا كلّه في غصب الأعيان . وأمّا غصب المنافع فإنّما هو بانتزاع العين ذات المنفعة عن مالك المنفعة ، وجعلها تحت يده بنحو ما تقدّم ، كما في العين المستأجرة إذا أخذها المؤجر أو غيره من المستأجر واستولى عليها في مدّة الإجارة ; سواء استوفى تلك المنفعة التي ملكها المستأجر أم لا([5]) .

(مسألة 8) : لو دخل الدار وسكنها مع مالكها ، فإن كان المالك ضعيفاً غير قادر على مدافعته وإخراجه ، فإن اختصّ استيلاؤه وتصرّفه بطرف معيّن منها ، اختصّ الغصب والضمان بذلك الطرف دون غيره . وإن كان استيلاؤه وتصرّفاته وتقلّباته في أطراف الدار وأجزائها بنسبة واحدة ; وتساوي يد الساكن مع يد المالك عليها ، فالظاهر كونه غاصباً للنصف ، فيكون ضامناً له خاصّة ; بمعنى أنّه لو انهدمت الدار ضمن الساكن نصفها ، ولو انهدم بعضها ضمن نصف ذلك البعض ، وكذا يضمن نصف منافعها . ولو فُرض أنّ المالك الساكن أزيد من واحد ضمن الساكن الغاصب بالنسبة في الفرض ، فإن كانا اثنين ضمن الثلث ، وإن كانوا ثلاثة ضمن الربع وهكذا . ولو كان الساكن ضعيفاً ; بمعنى أنّه لايقدر على مقاومة المالك ; وأنّه كلّما أراد أن يخرجه من داره أخرجه ، فالظاهر عدم تحقّق الغصب ولا اليد ولا الاستيلاء ، فليس عليه ضمان اليد . نعم عليه بدل ما استوفاه من منفعة الدار مادام كونه فيها .

(مسألة 9) : لو أخذ بمقود الدابّة فقادها ، وكان المالك راكباً عليها ، فإن كان في الضعف وعدم الاستقلال بمثابة المحمول عليها ، كان القائد غاصباً لها بتمامها ، ويتبعه الضمان ، ولو كان بالعكس ـ بأن كان المالك الراكب قويّاً قادراً على مقاومته ومدافعته ـ فالظاهر عدم تحقّق الغصب أصلاً ، فلا ضمان عليه لو تلفت الدابّة في تلك الحال . نعم لا إشكال في ضمانه لها لو اتّفق تلفها بسبب قوده لها ، كما يضمن السائق لها لو كان لها جماح فشردت بسوقه ، فوقعت في بئر أو سقطت عن مرتفع ـ مثلاً ـ فتلفت أو عيبت .

(مسألة 10) : لو اشترك اثنان في الغصب ضمن كلّ منهما للبعض بنسبة الاستيلاء ; إن نصفاً فنصف وهكذا ; سواء كان كلّ واحد منهما قويّاً قادراً على الاستيلاء على العين ودفع المالك والقهر عليه ، أم لا ; بل كان كلّ ضعيفاً بانفراده ; وإنّما استيلاؤهما عليها ودفع المالك كان بالتعاضد والتعاون ، وسواء كان المالك حاضراً أو غائباً .

(مسألة 11) : غصب الأوقاف العامّة ـ كالمساجد والمقابر والمدارس والقناطر ، والرباطات المعدّة لنزول المسافرين ، والطرق والشوارع العامّة ونحوها ـ والاستيلاء عليها وإن كان حراماً ويجب ردّها ، لكن الظاهر([6]) أنّه لايوجب ضمان اليد ; لا عيناً ولا منفعة ، فلو غصب مسجداً أو مدرسة أو رباطاً ، فانهدمت تحت يده من دون تسبيب منه ، لم يضمن عينها ولا منفعتها . نعم الأوقاف العامّة على الفقراء أو غيرهم بنحو وقف المنفعة ، يوجب غصبها الضمان عيناً ومنفعة ، فإذا غصب خاناً أو دُكّاناً أو بُستاناً كانت وقفاً على الفقراء ـ مثلاًـ على أن تكون منفعتها ونماؤها لهم ، ترتّب عليه الضمان كغصب المملوك .

(مسألة 12) : لو حبس حرّاً لم يضمن([7]) لا نفسه ولا منافعه ضمان اليد حتّى فيما إذا كان صانعاً ، فليس على الحابس اُجرة صنعته مدّة حبسه . نعم لو كان أجيراً لغيره في زمان فحبسه حتّى مضى ضمن منفعته الفائتة للمستأجر ، وكذا لو استخدمه واستوفى منفعته كان عليه اُجرة عمله ، ولو غصب دابّة ـ مثلاً ـ ضمن منافعها سواء استوفاها أم لا .

(مسألة 13) : لو منع حرّاً عن عمل له اُجرة من غير تصرّف واستيفاء لم يضمن عمله ، ولم يكن عليه اُجرته .

(مسألة 14) : يلحق بالغصب([8]) في الضمان المقبوض بالعقد المعاوضي الفاسد ، أو كالمعاوضي مثل المهر ، ويلحق به المقبوض بمثل الجعالة الفاسدة ممّا لايكون عقداً ، فالمبيع الذي يأخذه المشتري ، والثمن الذي يأخذه البائع في البيع الفاسد ، يكون ضمانهما كالمغصوب ; سواء كانا عالمين بالفساد أو لا ، وكذلك الاُجرة التي يأخذها المؤجر في الإجارة الفاسدة ، وكذا المهر الذي تأخذه المرأة في النكاح الفاسد ، والجعل الذي يأخذه العامل في الجعالة الفاسدة . وأمّا المقبوض بالعقد الفاسد غير المعاوضي وأشباهه فليس فيه ضمان ، فلو قبض المتّهب ما وهب له بالهبة الفاسدة ليس عليه ضمان . ويلحق بالغصب ـ أيضاً ـ المقبوض بالسوم ، والمراد به ما يأخذه الشخص لينظر فيه ، أو يضع عنده ليطّلع على خصوصيّاته ; لكي يشتريه إذا وافق نظره ، فهو في ضمان آخذه ، فلو تلف عنده ضمنه([9]) .

(مسألة 15) : يجب ردّ المغصوب إلى مالكه مادام باقياً وإن كان في ردّه مؤونة ، بل وإن استلزم ردّه الضرر عليه([10]) ; حتّى أنّه لو أدخل الخشبة المغصوبة في بناء ، لزم عليه إخراجها وردّها لو أرادها المالك وإن أدّى إلى خراب البناء . وكذا إذا أدخل اللوح المغصوب في سفينة ، يجب عليه نزعه وردّه ، إلاّ إذا خيف من قلعه الغرق ، الموجب لهلاك نفس محترمة أو مال محترم لغير الغاصب الجاهل بالغصب ، وإلاّ ففيه تفصيل . وهكذا الحال فيما إذا خاط ثوبه بخيوط مغصوبة ، فإنّ للمالك إلزامه بردّها ، ويجب عليه ذلك وإن أدّى إلى فساد ثوبه . وإن ورد نقص على الخشب أو اللوح أو الخيط بسبب إخراجها ونزعها ، يجب على الغاصب تداركه ، هذا إذا يبقى للمخرج والمنزوع قيمة بعد ذلك ، وإلاّ فالظاهر أنّه بحكم التالف فيلزم الغاصب بدفع البدل ، وليس للمالك مطالبة العين .

(مسألة 16) : لو مزج المغصوب بما يمكن تميّزه ولكن مع المشقّة ، كما إذا مزج الشعير المغصوب بالحنطة أو الدخن بالذرة يجب عليه أن يميّزه ويردّه .

(مسألة 17) : يجب على الغاصب ـ مع ردّ العين ـ بدل ما كانت لها من المنفعة في تلك المدّة إن كانت لها منفعة ; سواء استوفاها ، كالدار سكنها والدابّة ركبها ، أم لا وجعلها معطّلة .

(مسألة 18) : لو كانت للعين منافع متعدّدة وكانت معطّلة فالمدار المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ، ولاينظر إلى مجرّد قابليتها لبعض منافع اُخر ، فمنفعة الدار ـ بحسب المتعارف ـ هي السكنى وإن كانت قابلة في نفسها بأن تجعل محرزاً أو مسكناً لبعض الدوابّ وغير ذلك ، ومنفعة بعض الدوابّ كالفرس ـ بحسب المتعارف ـ الركوب ، ومنفعة بعضها الحمل ; وإن كانت قابلة في نفسها لأن تستعمل في إدارة الرحى والدولاب أيضاً . فالمضمون في غصب كلّ عين هو المنفعة المتعارفة بالنسبة إليها . ولو فرض تعدّد المتعارف منها على نحو التبادل ، كبعض الدوابّ التي تعارف استعمالها في الحمل والركوب معاً ، فإن لم يتفاوت اُجرة تلك المنافع ضمن تلك الاُجرة ، وإن كانت اُجرة بعضها أعلى ضمن الأعلى ، فلو فرض أنّ اُجرة الحمل في كلّ يوم درهمان واُجرة الركوب درهم ، كان عليه درهمان . والظاهر أنّ الحكم كذلك مع الاستيفاء أيضاً ، فمع تساوي المنافع في الاُجرة كان عليه اُجرة ما استوفاه ، ومع التفاوت كان عليه اُجرة الأعلى ; سواء استوفى الأعلى أو الأدنى .

(مسألة 19) : إن كان المغصوب منه شخصاً ، يجب الردّ إليه أو إلى وكيله إن كان كاملاً ، وإلى وليّه إن كان قاصراً كما إذا كان صبيّاً أو مجنوناً ، فلو ردّ في الثاني إلى نفس المالك لم يرتفع منه الضمان . وإن كان المغصوب منه هو النوع ، كما إذا كان المغصوب وقفاً على الفقراء وقف منفعة ، فإن كان له متولّ خاصّ يردّه إليه ، وإلاّ فيردّه إلى الوليّ العامّ ، وهو الحاكم ، وليس له أن يردّه إلى بعض أفراد النوع ; بأن يسلّمه ـ في المثال المذكور ـ إلى أحد الفقراء . نعم في مثل المساجد والشوارع والقناطر بل الرباطات إذا غصبها ، يكفي في ردّها رفع اليد عنها وإبقاؤها على حالها . بل يحتمل أن يكون الأمر كذلك في المدارس ، فإذا غصب مدرسة يكفي في ردّها رفع اليد عنها ، والتخلية بينها وبين الطلبة ، والأحوط الردّ إلى الناظر الخاصّ لو كان ، وإلاّ فإلى الحاكم . هذا إذا غصبها ولم يكن فيها ساكن ، وإلاّ فلايبعد وجوب الردّ إلى الطلبة الساكنين فيها حال الغصب ; إن لم يعرضوا عن حقّهم .

(مسألة 20) : إذا كان المغصوب والمالك كلاهما في بلد الغصب فلا إشكال . وكذا إن نقل المال إلى بلد آخر وكان المالك في بلد الغصب ، فإنّه يجب عليه عود المال إلى ذلك البلد وتسليمه إلى المالك . وأمّا إذا كان المالك في غير بلد الغصب فإن كان في بلد المال فله إلزامه بأحد أمرين : إمّا بتسليمه له في ذلك البلد ، وإمّا بنقله إلى بلد الغصب . وأمّا إن كان في بلد آخر فلا إشكال في أنّ له إلزامه بنقل المال إلى بلد الغصب . وهل له إلزامه بنقل المال إلى البلد الذي يكون فيه المالك ؟ الظاهر أنّه ليس له ذلك([11]) .

(مسألة 21) : لو حدث في المغصوب نقص وعيب وجب على الغاصب أرش النقصان ، وهو التفاوت بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً وردّ المعيوب إلى مالكه ، وليس للمالك إلزامه بأخذ المعيوب ودفع تمام القيمة ، ولا فرق ـ على الظاهر ـ بين ما كان العيب مستقرّاً وبين ما كان ممّا يسري ويتزايد شيئاً فشيئاً حتّى يتلف المال بالمرّة .

(مسألة 22) : لو كان المغصوب باقياً لكن نزلت قيمته السوقيّة ردّه ، ولم يضمن نقصان القيمة([12]) ما لم يكن ذلك بسبب نقصان في العين .

(مسألة 23) : لو تلف المغصوب أو ما بحكمه ـ كالمقبوض بالعقد الفاسد والمقبوض بالسوم ـ قبل ردّه إلى المالك ، ضمنه بمثله إن كان مثليّاً وبقيمته إن كان قيميّاً ([13]) . وتعيين المثلي والقيمي موكول إلى العرف . والظاهر أنّ المصنوعات بالمكائن في هذا العصر مثليّات أو بحكمها ، كما أنّ الحبوبات والأدهان وعقاقير الأدوية ونحوها مثليّات ، وأنواع الحيوان وكذا الجواهر ونحوها قيميّات .

(مسألة 24) : إنّما يكون مثل الحنطة مثليّاً إذا لوحظ أشخاص كلّ صنف منها على حدة ، ولم يلاحظ أشخاص صنف مع أشخاص صنف آخر منها مباين له في كثير من الصفات والخصوصيّات ، فإذا تلف عنده مقدار من صنف خاصّ من الحنطة ، يجب عليه دفع ذلك المقدار من ذلك الصنف لا صنف آخر . نعم التفاوت الذي بين أشخاص ذلك الصنف لاينظر إليه . وكذلك الاُرز ، فإنّ فيه أصنافاً متفاوتة جدّاً ، فأين العنبر من الحويزاوي أو غيره ؟! فإذا تلف عنده مقدار من العنبر يجب عليه دفع ذلك المقدار منه لا من غيره . وكذلك الحال في التمر وأصنافه والأدهان وغير ذلك ممّا لايُحصى .

(مسألة 25) : لو تعذّر المثل في المثلي ضمن قيمته ، وإن تفاوتت القيمة وزادت ونقصت بحسب الأزمنة ; بأن كان له حين الغصب قيمة ، وفي وقت تلف العين قيمة ، ويوم التعذّر قيمة ، واليوم الذي يدفع القيمة إلى المغصوب منه قيمة ، فالمدار هو الأخير([14]) ، فيجب عليه دفع تلك القيمة ، فلو غصب منّاً من الحنطة كان قيمتها درهمين ، فأتلفها في زمان كانت الحنطة موجودة وكانت قيمتها ثلاثة دراهم ، ثمّ تعذّرت وكانت قيمتها أربعة دراهم ، ثمّ مضى زمان وأراد أن يدفع القيمة ـ من جهة تفريغ ذمّته ـ وكانت قيمة الحنطة في ذلك الزمان خمسة دراهم ، يجب دفع هذه القيمة .

(مسألة 26) : يكفي في التعذّر ـ الذي يجب معه دفع القيمة ـ فقدانه في البلد وما حوله ممّا ينقل منه إليه عادة .

(مسألة 27) : لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل ، وجب عليه الشراء ودفعه إلى المالك ما لم يؤدّ إلى الحرج .

(مسألة 28) : لو وجد المثل ولكن تنزّلت قيمته لم يكن على الغاصب إلاّ إعطاؤه ، وليس للمالك مطالبته بالقيمة ولابالتفاوت([15]) ، فلو غصب منّاً من الحنطة في زمان كانت قيمتها عشرة دراهم ، وأتلفها ولم يدفع مثلها ـ قصوراً أو تقصيراً ـ إلى زمان قد تنزّلت قيمتها وصارت خمسة دراهم ، لم يكن عليه إلاّ إعطاء منّ من الحنطة ، ولم يكن للمالك مطالبة القيمة ولا مطالبة خمسة دراهم مع منّ من الحنطة ، بل ليس له الامتناع عن الأخذ فعلاً ; وإبقاؤها في ذمّة الغاصب إلى أن تترقّى القيمة ; إذا كان الغاصب يريد الأداء وتفريغ ذمّته فعلاً .

(مسألة 29) : لو سقط المثل عن الماليّة بالمرّة ـ من جهة الزمان أو المكان ـ فالظاهر([16])أنّه ليس للغاصب إلزام المالك بأخذ المثل ، ولايكفي دفعه ـ في ذلك الزمان أو المكان ـ في ارتفاع الضمان لو لم يرض به المالك ، فلو غصب ثلجاً في الصيف وأتلفه ، وأراد أن يدفع إلى المالك مثله في الشتاء ، أو قربة ماء في مفازة فأراد أن يدفع إليه قربة ماء عند الشطّ ، ليس له ذلك ، وللمالك الامتناع ، فله أن يصبر وينتظر زماناً أو مكاناً آخر فيطالبها بالمثل الذي له القيمة ، وله أن يطالب الغاصب بالقيمة فعلاً كما في صورة تعذّر المثل([17]) ، وحينئذ فهل يراعي قيمته في زمان الغصب ومكانه ؟ المسألة مشكلة ، فالأحوط التخلّص بالتصالح .

(مسألة 30) : لو تلف المغصوب وكان قيميّاً كالدوابّ والثياب ضمن قيمته ، فإن لم يتفاوت قيمته في الزمان الذي غصبه مع قيمته في زمان تلفه ، فلا إشكال ، وإن تفاوتت ـ بأن كانت قيمته يوم الغصب أزيد من قيمته يوم التلف أو العكس ـ فهل يراعى الأوّل أو الثاني ؟ فيه قولان مشهوران ، وهنا وجه آخر ، وهو مراعاة قيمة يوم الدفع([18]) . والأحوط التراضي فيما به التفاوت بين يوم الغصب إلى يوم الدفع . هذا إذا كان تفاوت القيمة من جهة السوق وتفاوت رغبة الناس . وأمّا إن كان من جهة زيادة ونقصان في العين ، كالسمن والهزال ، فلا إشكال في أنّه يراعى أعلى القيم وأحسن الأحوال ، بل لو فرض أنّه لم يتفاوت قيمة زماني الغصب والتلف من هذه الجهة ، لكن حصل فيه ارتفاع بين الزمانين ثمّ زال ، ضمن ارتفاع قيمته الحاصل في تلك الحال ، مثل ما لو كان الحيوان هازلاً حين الغصب ، ثمّ سمن ، ثمّ عاد إلى الهزال وتلف ، فإنّه يضمن قيمته حال سمنه .

(مسألة 31) : لو اختلف القيمة باختلاف المكان ـ كما إذا كان المغصوب في بلد الغصب بعشرة ، وفي بلد التلف بعشرين ، وفي بلد الأداء بثلاثين ـ فلايترك الاحتياط المتقدّم في المسألة السابقة .

(مسألة 32) : كما أنّه عند تلف المغصوب ، يجب على الغاصب دفع بدله إلى المالك مثلاً أو قيمةً ، كذلك فيما إذا تعذّر على الغاصب عادة تسليمه ، كما إذا سرق أو دفن في مكان لايقدر على إخراجه ، أو أبق العبد أو شردت الدابّة ونحو ذلك ، فإنّه يجب عليه إعطاء مثله أو قيمته مادام كذلك ، ويسمّى ذلك البدل بدل الحيلولة ، ويملك المالك البدل مع بقاء المغصوب في ملكه ، وإذا أمكن تسليم المغصوب وردّه يسترجع البدل .

(مسألة 33) : لو كان للبدل نماء ومنافع في تلك المدّة كان للمغصوب منه . نعم نماؤه المتّصل كالسمن يتبع العين ، فإذا استرجعها الغاصب استرجعها بنمائها . وأمّا المبدل فلمّا كان باقياً على ملك مالكه فنماؤه ومنافعه له ، لكن الغاصب لايضمن منافعه الغير المستوفاة في تلك المدّة على الأقوى .

(مسألة 34) : القيمة التي يضمنها الغاصب في القيميّات وفي المثليّات عند تعذّر المثل ، هو نقد البلد ; من الذهب والفضّة المضروبين بسكّة المعاملة وغيرهما ممّا هو نقد البلد كالأوراق النقديّة ، وهذا هو الذي يستحقّه المغصوب منه ، كما هو كذلك في جميع الغرامات والضمانات ، فليس للضامن دفع غيره إلاّ بالتراضي ، بعد مراعاة قيمة ما يدفعه مقيساً إلى نقد البلد .

(مسألة 35) : الظاهر أنّ الفلزّات والمعادن المنطبعة ـ كالحديد والرصاص والنحاس ـ كلّها مثليّة حتّى الذهب والفضّة مضروبين أو غير مضروبين ، وحينئذ تضمن جميعها بالمثل ، وعند التعذّر تضمن بالقيمة كسائر المثليّات المتعذّر المثل . نعم في خصوص الذهب والفضّة تفصيل : وهو أنّه إذا قوّم بغير الجنس ، كما إذا قوّم الذهب بالدرهم ، أو قوّم الفضّة بالدينار ، فلا إشكال ، وأمّا إذا قوّم بالجنس ; بأن قوّم الفضّة بالدرهم أو قوّم الذهب بالدينار ، فإن تساوى القيمة والمقوّم وزناً ـ كما إذا كانت الفضّة المضمونة المقوّمة عشرة مثاقيل ، فقوّمت بثمانية دراهم وكان وزنها أيضاً عشرة مثاقيل ـ فلا إشكال أيضاً ، وإن كان بينهما التفاوت ـ بأن كانت الفضّة المقوّمة عشرة مثاقيل مثلاً ، وقد قوّمت بثمانية دراهم وزنها ثمانية مثاقيل ـ فيشكل دفعها([19]) غرامة عن الفضّة ; لاحتمال كونه داخلاً في الربا فيحرم ، كما أفتى به جماعة ، فالأحوط أن يقوّم بغير الجنس ; بأن يقوّم الفضّة بالدينار والذهب بالدرهم ; حتّى يسلم من شبهة الربا .

(مسألة 36) : لو تعاقبت الأيادي الغاصبة على عين ثمّ تلفت ; بأن غصبها شخص من مالكها ، ثمّ غصبها من الغاصب شخص آخر ، ثمّ غصبها من الثاني شخص ثالث وهكذا ، ثمّ تلفت ضمن الجميع ، فللمالك أن يرجع ببدل ماله من المثل أو القيمة على كلّ واحد منهم ، وعلى أكثر من واحد بالتوزيع متساوياً أو متفاوتاً ، حتّى أنّه لو كانوا عشرة ـ مثلاً ـ له أن يرجع على الجميع ، ويأخذ من كلّ منهم عشر ما يستحقّه من البدل ، وله أن يأخذ من واحد منهم النصف ، والباقي من الباقين بالتوزيع متساوياً أو بالتفاوت . هذا حكم المالك معهم . وأمّا حكم بعضهم مع بعض ، فعلى الغاصب الأخير الذي تلف المال عنده قرار الضمان ; بمعنى أنّه لو رجع عليه المالك وغرّمه لم يرجع هو على غيره بما غرّمه ، بخلاف غيره من الأيادي السابقة ، فإنّ المالك لو رجع على واحد منهم ، فله أن يرجع على الأخير الذي تلف المال عنده ، كما أنّ لكلّ منهم الرجوع على تاليه وهو على تاليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى الأخير .

(مسألة 37) : لو غصب شيئاً مثليّاً فيه صنعة محلّلة ـ كالحليّ من الذهب والفضّة وكالآنية من النحاس وشبهه ـ فتلف عنده أو أتلفه ، ضمن مادّته بالمثل وصنعته بالقيمة ، فلو غصب قرطاً من ذهب كان وزنه مثقالين ، وقيمة صنعته وصياغته عشرة دراهم ، ضمن مثقالين من ذهب بدل مادّته وعشرة دراهم قيمة صنعته . ويحتمل قريباً صيرورته بعد الصياغة وبعد ما عرض عليه الصنعة قيميّاً ، فيقوّم القرط ـ مثلاً ـ بمادّته وصنعته ، ويعطي قيمته السوقيّة والأحوط التصالح . وأمّا احتمال كون المصنوع مثليّاً مع صنعته فبعيد جدّاً ([20]) . نعم لايبعد ذلك ـ بل قريب جدّاً ـ في المصنوعات التي لها أمثال متقاربة ، كالمصنوعات بالمكائن والمعامل المعمولة في هذه الأعصار ; من أنواع الظروف والأدوات والأثواب وغيرها ، فتضمن كلّها بالمثل مع مراعاة صنفها .

(مسألة 38) : لو غصب المصنوع وتلفت عنه الهيئة والصنعة فقط دون المادّة ، ردّ العين وعليه قيمة الصنعة ، وليس للمالك إلزامه بإعادة الصنعة([21]) ، كما أنّه ليس عليه القبول لو بذله الغاصب وقال : إنّي أصنعه كما كان سابقاً .

(مسألة 39) : لو كانت في المغصوب المثلي صنعة محرّمة غير محترمة([22]) ـ كما في آلات القمار والملاهي ونحوها ـ لم يضمن الصنعة ; سواء أتلفها خاصّة أو مع ذيها ، فيردّ المادّة لو بقيت وعوضها لو تلفت ، وليس عليه شيء لأجل الهيئة والصنعة .

(مسألة 40) : إن تعيّب المغصوب في يد الغاصب كان عليه أرش النقصان ، ولا فرق في ذلك بين الحيوان وغير الحيوان . نعم اختصّ العبيد والإماء ببعض الأحكام وتفاصيل لايسعها المقام .

(مسألة 41) : لو غصب شيئين تنقص قيمة كلّ واحد منهما منفرداً عنها فيما إذا كانا مجتمعين ـ كمصراعي الباب والخفّين ـ فتلف أحدهما أو أتلفه ضمن قيمة التالف مجتمعاً ، وردّ الباقي مع ما نقص من قيمته بسبب انفراده ، فلو غصب خفّين كان قيمتهما مجتمعين عشرة ، وكان قيمة كلّ منهما منفرداً ثلاثة ، فتلف أحدهما عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً وهي خمسة ، وردّ الآخر مع ما ورد عليه من النقص بسبب انفراده وهو اثنان ، فيعطي للمالك سبعة مع أحد الخفّين ، ولو غصب أحدهما وتلف عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً ، وهي خمسة في الفرض المذكور ، وهل يضمن النقص الوارد على الثاني ، وهو اثنان حتّى تكون عليه سبعة ، أم لا ؟ فيه وجهان بل قولان ، لايخلو أوّلهما من رجحان .

(مسألة 42) : لو زادت بفعل الغاصب زيادة في العين المغصوبة ، فهي على أقسام ثلاثة : أحدها : أن تكون أثراً محضاً ، كخياطة الثوب بخيوط المالك وغزل القطن ونسج الغزل وطحن الطعام وصياغة الفضّة ونحو ذلك . ثانيها : أن تكون عينيّة محضة ، كغرس الأشجار والبناء في الأرض البسيطة ونحو ذلك . ثالثها : أن تكون أثراً مشوباً بالعينيّة كصبغ الثوب ونحوه .

(مسألة 43) : لو زادت في العين المغصوبة ما يكون أثراً محضاً ردّها كما هي ، ولا شيء له لأجل تلك الزيادة ، ولا من جهة اُجرة العمل ، وليس له إزالة الأثر وإعادة العين إلى ما كانت بدون إذن المالك ; حيث إنّه تصرّف في مال الغير بدون إذنه ، بل لو أزاله بدون إذنه ضمن قيمته للمالك وإن لم يرد نقص على العين ، وللمالك إلزامه بإزالة الأثر وإعادة الحالة الاُولى للعين ; إذا كان فيه غرض عقلائيّ ، ولايضمن الغاصب ـ حينئذ ـ قيمة الصنعة . نعم لو ورد نقص على العين ضمن أرش النقصان .

(مسألة 44) : لو غصب أرضاً فزرعها أو غرسها فالزرع أو الغرس ونماؤهما للغاصب ، وعليه اُجرة الأرض مادامت مزروعة أو مغروسة ، ويلزم عليه إزالة غرسه وزرعه وإن تضرّر بذلك ، وعليه أيضاً طمّ الحفر وأرش النقصان إن نقصت الأرض بالزرع والقلع ، إلاّ أن يرضى المالك بالبقاء مجّاناً أو بالاُجرة ، ولو بذل صاحب الأرض قيمة الغرس أو الزرع لم يجب على الغاصب إجابته ، وكذا لو بذل الغاصب اُجرة الأرض أو قيمتها ، لم يجب على صاحب الأرض قبوله . ولو حفر الغاصب في الأرض بئراً كان عليه طمّها مع طلب المالك ، وليس له طمّها مع عدم الطلب ، فضلاً عمّا لو منعه . ولو بنى في الأرض المغصوبة بناءً فهو كما لو غرس فيها ، فيكون البناء للغاصب إن كان أجزاؤه له ، وللمالك إلزامه بالقلع ، فحكمه حكم الغرس في جميع ما ذكر .

(مسألة 45) : لو غرس أو بنى في أرض غصبها ، وكان الغراس وأجزاء البناء لصاحب الأرض ، كان الكلّ له ، وليس للغاصب قلعها أو مطالبة الأجرة ، وللمالك إلزامه بالقلع والهدم إن كان له غرض عقلائيّ في ذلك ، وعلى الغاصب أرش نقص الأرض وطمّ حفرها .

(مسألة 46) : لو غصب ثوباً وصبغه بصبغه ، فإن أمكن إزالته مع بقاء ماليّة له كان له ذلك ، وليس لمالك الثوب منعه ، كما أنّ للمالك إلزامه به . ولو ورد نقص على الثوب بسبب إزالة صبغه ضمنه الغاصب ، ولو طلب مالك الثوب من الغاصب أن يملّكه الصبغ بقيمته لم يجب عليه إجابته ، كالعكس ; بأن يطلب الغاصب منه أن يملّكه الثوب . هذا إذا أمكن إزالة الصبغ . وأمّا إذا لم يمكن الإزالة ، أو تراضيا على بقائه ، وكان للصبغ عين متموّلة ، اشتركا في قيمة الثوب المصبوغ بالنسبة ، فلو كانت قيمة الثوب قبل الصبغ تساوي قيمة الصبغ ، كانت بينهما نصفين ، وإن تفاوتت كان التفاوت لصاحب الثوب أو الصبغ . هذا إذا بقيت قيمتهما على ما هما عليها إلى ما بعد الصبغ ، وإلاّ فإن زادت قيمة الثوب ونقصت قيمة الصبغ لأجله فالزيادة لصاحب الثوب ، ولو انعكس ضمن الغاصب أرش نقص الثوب ، ولو زادت قيمة الثوب بالصبغ ، وبقيت قيمة الصبغ على ما هو عليه ، كانت الزيادة لصاحب الثوب ، ولو انعكس فالزيادة للغاصب .

(مسألة 47) : لو صبغ الثوب المغصوب بصبغ مغصوب ، وكانت للصبغ بعده عين متموّلة ، بقيت كلّ منهما في ملك صاحبه ، وحصلت الشركة ـ لو بيعا ـ بين صاحبيهما بنسبة قيمتهما ، ولا غرامة على الغاصب إن لم يرد نقص عليهما ، وإن ورد ضمنه لمن ورد عليه .

(مسألة 48) : لو مزج الغاصب المغصوب بغيره ، أو امتزج في يده بغير اختياره مزجاً رافعاً للتميّز بينهما ، فإن كان بجنسه وكانا متماثلين ـ ليس أحدهما أجود من الآخر أو أردأ ـ تشاركا في المجموع بنسبة ماليهما ، وليس على الغاصب غرامة بالمثل أو القيمة ، بل الذي عليه تسليم المال والإقدام على الإفراز والتقسيم بنسبة المالين ، أو البيع وأخذ كلّ واحد منهما حصّته من الثمن كسائر الأموال المشتركة . وإن خلط المغصوب بما هو أجود أو أردأ منه ، تشاركا ـ أيضاً ـ بنسبة المالين إلاّ أنّ التقسيم وتوزيع الثمن بينهما بنسبة القيمة ، فلو خلط مَنّاً من زيت قيمته خمسة بمنّ منه قيمته عشرة ، كان لكلّ منهما نصف المجموع ، لكن إذا بنيا على القسمة يجعل ثلاثة أسهم ، ويعطى لصاحب الأوّل سهم ولصاحب الثاني سهمان ، وإذا باعاه يقسّم الثمن بينهما أثلاثاً ، والأحوط في مثل ذلك ـ أعني اختلاط مختلفي القيمة من جنس واحد ـ البيع وتوزيع الثمن بنسبة القيمة ، لا التقسيم بالتفاضل بنسبتها من جهة شبهة لزوم الربا في الثاني كما قال به جماعة . هذا إذا مزج المغصوب بجنسه . وأمّا إذا اختلط بغير جنسه فإن كان فيما يعدّ معه تالفاً ـ كما إذا اختلط ماء الورد المغصوب بالزيت ـ ضمن المثل ، وإن لم يكن كذلك ـ كما لو خلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير ، أو خلط الخلّ بالعسل([23]) ـ فالظاهر أنّه بحكم الخلط بالأجود أو الأردأ من جنس واحد ، فيشتركان في العين بنسبة المالين ، ويقسّمان العين ويوزّعان الثمن بينهما بنسبة القيمتين كما مرّ .

(مسألة 49) : لو خلط المغصوب بالأجود أو الأردأ ، وصار قيمة المجموع المخلوط أنقص من قيمة الخليطين منفردين ، فورد بذلك النقص المالي على المغصوب ضمنه الغاصب ، كما لو غصب منّاً من زيت جيّد قيمته عشرة ، وخلطه بمنّ منه رديء قيمته خمسة ، وبسبب الاختلاط يكون قيمة المنّين اثني عشر ، فصار حصّة المغصوب منه من الثمن بعد التوزيع ثمانية ، والحال أنّ زيته غير مخلوط كان يسوي عشرة ، فورد النقص عليه باثنين ، وهذا النقص يغرمه الغاصب . وإن شئت قلت : يستوفي المالك قيمة ماله غير مخلوط من الثمن ، وما بقي يكون للغاصب .

(مسألة 50) : فوائد المغصوب مملوكة للمغصوب منه وإن تجدّدت بعد الغصب ، وهي كلّها مضمونة على الغاصب ; أعياناً كانت كاللّبن والولد والشعر والثمر ، أو منافع كسكنى الدار وركوب الدابّة ، بل كلّ صفة زادت بها قيمة المغصوب لو وجدت في زمان الغصب ، ثمّ زالت وتنقّصت بزوالها قيمته ، ضمنها الغاصب وإن ردّ العين كما كانت قبل الغصب ، فلو غصب دابّة هازلة ، ثمّ سمنت فزادت قيمتها بسبب ذلك ، ثمّ هزلت ، ضمن الغاصب تلك الزيادة التي حصلت ثمّ زالت . نعم لو زادت القيمة لزيادة صفة ، ثمّ زالت تلك الصفة ثمّ عادت الصفة بعينها ، لم يضمن قيمة الزيادة التالفة ; لانجبارها بالزيادة العائدة ، كما إذا سمنت الدابّة في يده فزادت قيمتها ثمّ هزلت ثمّ سمنت ، فإنّه لايضمن الزيادة الحاصلة بالسمن الأوّل ، إلاّ إذا نقصت الزيادة الثانية عن الاُولى ; بأن كانت الزيادة الحاصلة بالسمن الأوّل درهمين والحاصلة بالثاني درهماً مثلاً ، فيضمن التفاوت .

(مسألة 51) : لو حصلت فيه صفة فزادت قيمته ، ثمّ زالت فنقصت ، ثمّ حصلت فيه صفة اُخرى زادت بها قيمته ، لم يزل ضمان زيادة الاُولى ، ولم ينجبر نقصانها بالزيادة الثانية ، كما إذا سمنت الدابّة المغصوبة ، ثمّ هزلت فنقصت قيمتها ، ثمّ ارتاضت فزادت قيمتها بقدر زيادة الاُولى أو أزيد ، لم يزل ضمان الغاصب للزيادة الاُولى .

(مسألة 52) : إذا غصب حبّاً فزرعه ، أو بيضاً فاستفرخه تحت دجاجته ـ مثلاً ـ كان الزرع والفرخ للمغصوب منه . وكذا لو غصب خمراً فصارت خلاّ ، أو غصب عصيراً فصار خمراً عنده ، ثمّ صارت خلاّ ، فإنّه ملك للمغصوب منه لا الغاصب . وأمّا لو غصب فحلاً فأنزاه عن الاُنثى وأولدها ، كان الولد لصاحب الاُنثى وإن كان هو الغاصب ، وعليه اُجرة الضراب .

(مسألة 53) : جميع ما مرّ من الضمان([24]) وكيفيّته وأحكامه وتفاصيله ، جارية في كلّ يد جارية على مال الغير بغير حقّ ; وإن لم تكن عادية وغاصبة وظالمة ، إلاّ في موارد الأمانات ; مالكيّة كانت أو شرعيّة ، كما عرفت التفصيل في كتاب الوديعة ، فتجري في جميع ما يقبض بالمعاملات الفاسدة ، وما وضع اليد عليه بسبب الجهل والاشتباه ، كما إذا لبس مداس غيره أو ثوبه اشتباهاً ، أو أخذ شيئاً من سارق عارية باعتقاد أنّه ماله ، وغير ذلك ممّا لايحصى .

(مسألة 54) : كما أنّ اليد الغاصبة وما يلحق بها موجبة للضمان ـ وهو المسمّى بضمان اليد ، وقد عرفت تفصيله في المسائل السابقة ـ كذلك للضمان سببان آخران : الإتلاف والتسبيب . وبعبارة اُخرى : له سبب آخر ، وهو الإتلاف ; سواء كان بالمباشرة أو التسبيب .

(مسألة 55) : الإتلاف بالمباشرة واضح لايخفى مصاديقه ، كما إذا ذبح حيواناً أو رماه بسهم فقتله ، أو ضرب على إناء فكسره ، أو رمى شيئاً في النار فأحرقته ، وغير ذلك ممّا لايحصى . وأمّا الإتلاف بالتسبيب فهو إيجاد شيء يترتّب عليه الإتلاف بسبب وقوع شيء ، كما لو حفر بئراً في المعابر فوقع فيها إنسان أو حيوان ، أو طرح المعاثر والمزالق ، كقشر البطّيخ والرقّي في المسالك ، أو أوتد وتداً في الطريق فأصاب به عطب أو جناية على حيوان أو إنسان ، أو وضع شيئاً على الطريق فتمرّ به الدابّة فتنفر بصاحبها فتعقره ، أو أخرج ميزاباً على الطريق فأضرّ بالمارّة ، أو ألقى صبيّاً أو حيواناً يضعف عن الفرار في مسبعة فقتله السبع ، ومن ذلك ما لو فكّ القيد عن الدابّة فشردت ، أو فتح قفصاً عن طائر فطار مبادراً أو بعد مكث وغير ذلك ، ففي جميع ذلك يكون فاعل السبب ضامناً ، ويكون عليه غرامة التالف وبدله ; إن كان مثليّاً فبالمثل ، وإن كان قيميّاً فبالقيمة ، وإن صار سبباً لتعيّب المال كان عليه الأرش ، كما مرّ في ضمان اليد .

(مسألة 56) : لو غصب شاة ذات ولد فمات ولدها جوعاً ، أو حبس مالك الماشية أو راعيها عن حراستها فاتّفق تلفها ، لم يضمن([25]) بسبب التسبيب ، إلاّ إذا انحصر غذاء الولد بارتضاع من اُمّه ، وكانت الماشية في محالّ السباع ومظانّ الخطر وانحصر حفظها بحراسة راعيها ، فعليه الضمان ـ حينئذ ـ على الأحوط .

(مسألة 57) : ومن التسبيب الموجب للضمان ما لو فكّ وكاء ظرف فيه مائع فسال ما فيه . وأمّا لو فتح رأس الظرف ثمّ اتّفق أنّه قلبته الريح الحادثة ، أو انقلب بوقوع طائر عليه ـ مثلاً ـ فسال ما فيه ، ففي الضمان تردّد وإشكال([26]) . نعم يقوى الضمان فيما كان ذلك في حال هبوب الرياح العاصفة ، أو في مجتمع الطيور ومظانّ وقوعها عليه .

(مسألة 58) : ليس من التسبيب الموجب للضمان ما لو فتح([27]) باباً على مال فسرق ، أو دلّ سارقاً عليه فسرقه ، فلا ضمان عليه .

(مسألة 59) : لو وقع الحائط على الطريق ـ مثلاً ـ فتلف بوقوعه مال أو نفس لم يضمن صاحبه ، إلاّ إذا بناه مائلاً إلى الطريق([28]) ، أو مال إليه بعد ما كان مستوياً وقد تمكّن صاحبه من الإزالة([29]) ولم يزله ، فعليه الضمان في الصورتين على الأقوى .

(مسألة 60) : لو وضع شربةً أو كوزاً ـ مثلاً ـ على حائطه فسقط وتلف به مال أو نفس ، لم يضمن إلاّ إذا وضعه مائلاً إلى الطريق ، أو وضعه على وجه يسقط مثله([30]) .

(مسألة 61) : ومن التسبيب الموجب للضمان أن يشعل ناراً في ملكه وداره ، فتعدّت وأحرقت دار جاره ـ مثلاً ـ فيما إذا تجاوز قدر حاجته ويعلم أو يظنّ تعدّيها لعصف الهواء مثلاً ، بل الظاهر كفاية الثاني ، فيضمن مع العلم أو الظنّ بالتعدّي ولو كان بمقدار الحاجة ، بل لايبعد الضمان إذا اعتقد عدم كونها متعدّية فتبيّن خلافه ، كما إذا كانت ريح حين اشتعال النار ، وهو قد اعتقد أنّ بمثل هذه الريح لا تسري النار إلى الجار فتبيّن خلافه . نعم لو كان الهواء ساكناً بحيث يؤمن معه من التعدّي ، فاتّفق عصف الهواء بغتة فطارت شرارتها ، يقوى عدم الضمان .

(مسألة 62) : إذا أرسل الماء في ملكه فتعدّى إلى ملك غيره فأضرّ به ، ضمن ولو مع اعتقاده عدم التعدّي . نعم ضمانه فيما إذا خرجت من اختياره في صورة اعتقاده عدم التعدّي محلّ إشكال ، والأحوط الضمان . ولو كان طريقه إلى ملك الغير مسدوداً حين إرسال الماء فدفع بغير فعله ، فلا ضمان عليه .

(مسألة 63) : لو تعب حمّال الخشبة فأسندها إلى جدار الغير ليستريح ـ بدون إذن صاحب الجدار ـ فوقع بإسناده إليه ، ضمنه وضمن ما تلف بوقوعه عليه ، ولو وقعت الخشبة فأتلفت شيئاً ضمنه ; سواء وقعت في الحال أو بعدُ إذا كان مستنداً إليه .

(مسألة 64) : لو فتح قفصاً عن طائر فخرج ، وكسر بخروجه قارورة شخص ـ مثلاً ـ ضمنها على الأحوط، وكذا لو كان القفص ضيّقاً ـ مثلاً ـ فاضطرب بخروجه فسقط وانكسر.

(مسألة 65) : إذا أكلت دابّة شخص زرع غيره أو أفسدته ، فإن كان معها صاحبها ـ راكباً أو سائقاً أو قائداً أو مصاحباً ـ ضمن ما أتلفته ، وإن لم يكن معها ; بأن انفلتت من مراحها ـ مثلاً ـ فدخلت زرع غيره ، ضمن ما أتلفته إن كان ذلك ليلاً([31]) . نعم ضمانه فيما إذا خرجت من اختياره محلّ إشكال ، والأحوط الضمان . وليس عليه ضمان إن كان نهاراً .

(مسألة 66) : لو كانت الشاة أو غيرها في يد الراعي ، أو الدابّة في يد المستعير أو المستأجر ، فأتلفتا زرعاً أو غيره ، كان الضمان على الراعي والمستأجر والمستعير ، لا على المالك والمعير .

(مسألة 67) : لو اجتمع سببان للإتلاف بفعل شخصين ، فإن لم يكن أحدهما أسبق في التأثير اشتركا في الضمان ، وإلاّ كان الضمان على المتقدّم في التأثير ، فلو حفر شخص بئراً في الطريق، ووضع شخص آخر حجراً بقربها، فعثر به إنسان أو حيوان فوقع في البئر، كان الضمان على واضع الحجر دون حافر البئر ، ويحتمل قويّاً اشتراكهما في الضمان مطلقاً .

(مسألة 68) : لو اجتمع السبب مع المباشر كان الضمان على المباشر ، دون فاعل السبب ، فلو حفر شخص بئراً في الطريق ، فدفع غيره فيها إنساناً أو حيواناً ، كان الضمان على الدافع دون الحافر . نعم لو كان السبب أقوى من المباشر كان الضمان عليه لا على المباشر ، فلو وضع قارورة تحت رجل شخص نائم فمدّ رجله فكسرها ، كان الضمان على الواضع دون النائم .

(مسألة 69) : لو اُكره على إتلاف مال غيره ، كان الضمان على من أكرهه ، وليس عليه ضمان ; لكون السبب أقوى من المباشر . هذا إذا لم يكن المال مضموناً في يده ; بأن أكرهه على إتلاف ما ليس تحت يده ، أو على إتلاف الوديعة التي عنده مثلاً . وأمّا إذا كان المال مضموناً في يده ـ كما إذا غصب مالاً فأكرهه شخص على إتلافه ـ فالظاهر ضمان كليهما ، فللمالك الرجوع على أيّهما شاء ، فإن رجع على المكرِه ـ بالكسر ـ لم يرجع على المكرَه ـ بالفتح ـ بخلاف العكس . هذا إذا اُكره على إتلاف المال . وأمّا لو اُكره على قتل أحد معصوم الدم فقتله ، فالضمان على القاتل([32]) من دون رجوع على المكره وإن كان عليه عقوبة ، فإنّه لا إكراه في الدماء .

(مسألة 70) : لو غصب مأكولاً ـ مثلاً ـ فأطعمه المالك مع جهله بأنّه ماله ; بأن قال له : «هذا ملكي وطعامي» ، أو قدّمه إليه ضيافة ـ مثلاًـ أو غصب شاة واستدعى من المالك ذبحها ، فذبحها مع جهله بأنّه شاته ، ضمن الغاصب وإن كان المالك هو المباشر للإتلاف . نعم لو دخل المالك دار الغاصب ـ مثلاً ـ ورأى طعاماً فأكله على اعتقاد أنّه طعام الغاصب فكان طعام الآكل ، فالظاهر عدم ضمان الغاصب وقد برئ من ضمان الطعام .

(مسألة 71) : لو غصب طعاماً من شخص ، وأطعمه غير المالك على أنّه ماله مع جهل الآكل بأنّه مال غيره ، كما إذا قدّمه إليه بعنوان الضيافة مثلاً ، ضمن كلاهما ، فللمالك أن يغرّم أيّهما شاء ، فإن أغرم الغاصب لم يرجع على الآكل ، وإن أغرم الآكل رجع على الغاصب لأنّه قد غرّه .

(مسألة 72) : إذا سعى إلى الظالم على أحد ، أو اشتكى عليه عنده بحقّ أو بغير حقّ ، فأخذ الظالم منه مالاً بغير حقّ ، لم يضمن الساعي والمشتكي ما خسره ; وإن أثم بسبب سعايته أو شكايته إذا كانت بغير حقّ ، وإنّما الضمان على من أخذ المال([33]) .

(مسألة 73) : إذا تلف المغصوب ، وتنازع المالك والغاصب في القيمة ، ولم تكن بيّنة ، ففي أنّ القول قول الغاصب أو المالك تردّد ناشئ من التردّد في معنى «على اليد ما أخذت» ، واحتمال أن يكون نفس المأخوذ على عُهدته حتّى بعد التلف ، ويكون أداء المثل أو القيمة نحو أداء له ، فيكون القول قول المالك بيمينه ، واحتمال أن ينتقل بالتلف إلى القيمة ، فيكون القول قول الغاصب بيمينه . ولايخلو هذا من قوّة([34]) . ولو تنازعا في صفة تزيد بها الثمن ; بأن ادّعى المالك وجود تلك الصفة فيه يوم غصبه ، أو حدوثها بعده وإن زالت فيما بعد ، وأنكره الغاصب ولم يكن بيّنة ، فالقول قول الغاصب بيمينه بلا إشكال .

(مسألة 74) : إن كان على الدابّة المغصوبة رحل أو علّق بها حبل ، واختلفا فيما عليها ، فقال المغصوب منه : «هو لي» ، وقال الغاصب : «هو لي» ، ولم يكن بيّنة ، فالقول قول الغاصب مع يمينه ; لكونه ذا يد فعليّة عليه .

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ قويّ.

[2] ـ على إشكال، وإن كان الضمان فيها كالأعيان والمنافع المغصوبة لايخلو عن قوّة; قضاءً لبناء العقلاء عليه، وردعاً لتضييع حقوق العامّة والمجتمع في مثل غصب المساجد، وحقوق الأشخاص في مثل العين المرهونة والأرض المحجرة، وعدم صدق اليد والمالية عليها ـ على التسليم ـ غير مضرّ; لكفاية البناء وقضيّة ما ذكرناه من الردع قبيل ذلك.

وبذلك يظهر الضمان باليد في غصب الحرّ في المسألة الآتية بنفسه وبمنافعه وإن لم يكن صانعاً، فضلاً عمّا كان كذلك، بل الضمان فيه أظهر من الحقوق; وذلك لدفع المفاسد ودفع الضرر العظيم، فإنّه قد يموت هو وعياله من الجوع ولايكون عليه في ذلك مانع، مع كونه ظالماً وعادياً، ووجود ما يدلّ على جواز الاعتداء بما اعتدى، وجزاء سيّئة سيّئةٌ، والقصاص، ونحو ذلك، فتأمّل.

[3] ـ بل عليه ضمان اليد في نفسه ومنافعه، كما مرّ بيانه ووجهه في المسألة السابقة.

[4] ـ بل أقوى; لأقوائية السبب، وبذلك يظهر الضمان في نقص القيمة أيضاً مع تحقّق الاستناد، مثل ما إن كان المالك مريداً جدّاً لبيعه بالقيمة الراقية ولم يكن له مانع إلاّ ذلك المنع من الغير.

[5] ـ ولايخفى أنّ ما في المسألة والمسائل التالية إلى المسألة الحادية عشرة وإن كان تامّاً، لكنّه ليس فقهيّاً، بل موضوعي، وبيان للمصاديق العرفية، فالحاكم فيه هو العرف لا الشرع، فمن الممكن تغيّر الحكم بتغيّر الموضوع عرفاً في شرائط خاصّة اُخرى، فتدبّر جيّداً.

[6] ـ بل الظاهر إيجابه ضمان اليد مطلقاً; قضاءً لبناء العقلاء في الضمان الممضاة شرعاً، فإنّ الضمان حكم إمضائي للشارع تعالى، لا تأسيسي، ولما مرّ في التعليقة على المسألة الرابعة. ولقد أجاد الشهيد(قدس سره) في «الدروس» حيث قال: «ولو أثبت يده على مسجد أو رباط أو مدرسة على وجه التغلّب ومنع المستحقّ، فالظاهر ضمان العين والمنفعة، لتنزّله منزلة المال، والمنفعة مال». (الدروس الشرعيّة 3: 106)

وما في «الجواهر» من الإشكال عليه بقوله: «وقد يشكل الضمان في المسجد ونحوه من المشاعر ممّا لم تكن المنفعة فيه ملكاً للناس وإن ملكوا الانتفاع به; إذ هو غير المنفعة، فلا مالية حينئذ حتّى يتّجه الضمان وإن تحقّق الغصب في مثله». (جواهر الكلام 37: 32)

ففيه: عدم الخصوصية للماليّة بالمعنى المذكور في الضمان عند العقلاء، بل المناط عندهم في الضمان الاحترام فيما تعلّق بالغير مطلقاً وإنْ كان انتفاعاً، بل القول بكون حقّ الانتفاع أيضاً من الأموال غير جزاف.

[7] ـ حكم هذه المسألة والمسألة التالية يظهر ممّا مرّ في التعليقة على المسألة الرابعة ، فحبسه موجب لضمان نفسه ومنافعه، كما مرّ فيها، فراجعها.

[8] ـ الإلحاق في الجملة هو المشهور المعروف بين الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافاً، لكن عدم الضمان فيه مطلقاً حتّى الضمان بالإتلاف لايخلو من قوّة; لأنّه إن كانا جاهلين فشرطية الشرائط لهما مرتفعة بحديث الرفع ويكون العقد صحيحاً بحكومة حديث الرفع على أدلّة الشرائط فتجري عليه أحكام العقد الصحيح ويكون خارجاً عن موضوع المسألة، وأمّا إن كانا عالمين وإن كانت أدلّة شرائط الصحّة مقتضية لبطلان العقد ولزوم ردّ العوضين مع بقائهما; قضاءً للشرطية، لكنّها غير دالّة على الضمان، فإنّ المتفاهم عرفاً بمناسبة الحكم والموضوع من قاعدة اليد كقاعدة الإتلاف والإفساد كون الضمان فيهما لحرمة الملكية والمالكية، فإنّ «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، (وسائل الشيعة 12:281 / 9) «ولايحلّ لمؤمن مال أخيه إلاّ عن طيب نفس منه»، (وسائل الشيعة 5: 120 / 3) ومن المعلوم أنّ المالك بإرادته وعلمه وبطيب نفس منه سلط القابض على ماله مباشرة وعلى تلفه وإتلافه تسبيباً، فعلى هذا لايكون القابض هاتكاً لحرمة مال الغير حتّى يصير ضامناً.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ في صورة الاختلاف بكون القابض جاهلاً دون الدافع صحّة العقد; قضاءً لجريان حديث الرفع في القابض الجاهل بالمطابقة وفي الدافع العالم بالملازمة; حيث إنّ الامتنان بالرفع بالنسبة إلى الجاهل يتمّ برفع الشرطية بالنسبة إلى العالم أيضاً; لعدم التبعيض في صحّة العقود بالصحّة من طرف وبطلانه من آخر، وإن أبيت عن ذلك فعدم الضمان ممّا لاينبغي الإشكال فيه; لما مرّ من أنّ الضمان من شؤون الملكية والمالكية، والتسليط من الدافع العالم يكون باختياره، وأمّا في عكسه، وهو ما كان الدافع جاهلاً دون القابض فالعقد وإن كان باطلاً، لكنّه لاضمان على القابض; لأنّ الدافع بنفسه أزال حرمة ماله بتمليكه للغير، وعدم صحّة تمليكه غير مضرّ بالإزالة; حيث إنّ تمليكه يكن مقيّداً بالصحّة وكانت الصحّة من المقارنات لقصده، وعلى تسليم التقييد نقول: إنّ التقييد كان بالملكية الإنشائية الحاصلة مع العقد وإن كان فاسداً. هذا كلّه في الفساد من ناحية شرائط العقد أو العوضين، وأمّا الفساد من ناحية انتفاء شرائط المتعاقدين، وهي البلوغ والعقل والرشد والاختيار والقصد والملكية بمعناه الأعمّ، ففيه تفصيل بإلحاقه بالغصب مع علمهما بذلك; لأنّ العرف يرى هتكاً لحرمة مال الغير بهذه اليد وليس للسفيه ولا لغير البالغ ولا للمجنون ونحوهم التصرّف في أموالهم حتّى يتمكّنوا من إزالة الحرمة عن أموالهم بتسليط الغير، وعدم العبرة بتسليط غير القاصد والمكره وغير المالك بمعناه الأعمّ وبعدم الإلحاق مع الجهل به; لما مرّ.

[9] ـ مع عدم الإذن ولو عملاً، وأمّا معه ففيه إشكال، بل منع. ولقد أجاد المقدّس الأردبيلي في «مجمع الفائدة والبرهان» حيث قال: «دليل الضمان بالقبض بالسوم غير ظاهر، إلاّ الحديث المشهور «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» وصحّته ودلالته غير واضحتين، والأصل براءة الذمّة، والغرض عدم التعدّي، والأخذ برضاء المالك، فالضمان محلّ التأمّل، بل خلافه قريب، وإن كان هو المشهور، والظاهر أنّه ليس بإجماعي». (مجمع الفائدة والبرهان 10: 498)

والظاهر، بل المقطوع به اختصاص كلامه بصورة الإذن، كما ذكرناه، وإلاّ فمع عدم الإذن الضمان واضح، ولاينبغي الإشكال فيه عمّن هو دون المقدّس الأردبيلي فضلاً عنه، مع ما له من التتبّع التامّ والدقّة الكثيرة في المسائل والأحكام.

[10] ـ دون ما إذا استلزم الردّ الضرر على غيره، وإن كان الغير هو الدولة والحكومة والمجتمع من حيث الاقتصاد المربوط بذلك الغير، ولو بنحو غير مباشر، كما لايبعد تحقُّقه في تخريب الأبنية والأماكن وأمثالها ممّا يوجب تضييع القوى المصروفة فيها; حيث إنّ للحكومة في تلك القوى وتضييعها حقوقاً اقتصادية، كما لايخفى.

[11] ـ إذا لم يكن حين كونه في بلد الغصب مريداً لإتيانه إلى البلد الذي هو الآن فيه، وإلاّ فالظاهر جواز إلزامه بذلك; قضاءً لقاعدة الغصب والسببية.

[12] ـ فيما لم يكن المغصوب للتجارة والبيع وانتظار المالك ارتقاء القيمة وعزمه على بيعه في ذلك الوقت على المتعارف في السوق والتجارة، وإلاّ فيكون ضامناً لذلك النقصان; لكون الغاصب حينئذ بإبقائه عنده متلفاً للقيمة الراقية، ومفسداً لها عرفاً، فيشمله قاعدة الإتلاف.

[13] ـ فيما يكون ضامناً له على التفصيل المتقدّم، وكذا يكون ضامناً للقيمة السوقية النازلة حين أداء المثل أو القيمة، كما مرّ بالنسبة إلى ردّ العين في المسألة السابقة.

[14] ـ بل المدار يوم التعذّر الذي بمنزلة يوم التلف، على ما يأتي في حكم التلف في المسألة الثلاثين.

[15] ـ بل له المطالبة به; لما يظهر وجهه ممّا مرّ في المسألة الثانية والعشرين.

[16] ـ بل المقطوع; لعدم كون المثل مع السقوط عن المالية ـ مثلاً ـ للمال التالف.

[17] ـ على النحو الذي قلنا فيه. وعليه فالمسألة خالية عن الإشكال، ولا احتياج إلى التخلُّص بالتصالح، كما لاتصل النوبة إلى مسألة رعاية قيمة زمان الغصب ومكانه أو قيمة غيرها، كما لايخفى .

[18] ـ ووجه رابع أيضاً، وهو التفصيل بين ما كان المغصوب مورداً للتجارة وبين ما كان لغيره، كالاقتناء على ما مرّ في تعليقتنا على المسألة الثانية والعشرين، بالضمان في الأوّل بأعلى القيم من زمان الغصب إلى زمان التلف، وفي الثاني بقيمة يوم التلف، وهذا الوجه وجيه، وقوّة هذا الوجه تظهر ممّا مرّ في المسألة الثانية والعشرين، ويظهر منه أيضاً عدم ابتناء التفصيل على حديث «على اليد»، ولا على صحيحة أبي ولاّد، (وسائل الشيعة 19: 119 / 1) ولا على غيرهما ممّا بنى عليه الأصحاب الأقوال في المسألة، بل يكون مبنيّاً على قاعدة الإتلاف والإفساد، كما لايخفى. وبذلك تظهر قوّة التفصيل في المسألة الآتية، فيما كان المغصوب مورداً للتجارة وبين ما كان لغيره بالضمان في الأوّل بأعلى القيم من بلد الغصب إلى بلد التلف، وفي الثاني بقيمة بلد التلف. ثمّ إنّه لما كان الواجب على الغاصب على جميع الأقوال فيها غير الوجه الآخر أداء قيمة يوم التلف فيوم التلف زمان الأداء، فالتأخير عنه موجب لضمانه المالية الزائدة على مالية قيمة يوم التلف على فرض تحقّقها، نظير ضمان مالية المهر، وضمان مالية المماطلة في أداء القرض في القرض.

[19] ـ بل لايشكل; لعدم كونها داخلةً في الربا، كما مرّ في القول في الربا المعاملي.

[20] ـ إلاّ أن تكون صنعته سهلةً ومتعارفةً.

[21] ـ إلاّ فيما تكون صنعته سهلة، فله الإلزام، كما أنّ عليه القبول أيضاً.

[22] ـ أصلاً، حتّى في مثل المعاملة مع غير المسلمين المستحلّين للانتفاع بتلك الصنعة، مثل ما فيها الفساد لكلّ البشرية بحيث يوجب الفساد في الأرض، كأدوات صناعة الأفيون مثل نفسها في زماننا دون ما لايكون كذلك من المحرّمات; حيث إنّ حرمتها الشرعية وإن كانت موجبة لسلب المالية والملكية عنها بالملازمة العرفية بين الحرمة وذلك السلب، إلاّ أنّها لعدم تنجّزها على غير المسلمين المستحلّين القاصرين، كجلّهم بل كلّهم إلاّ ما شذّ وندر لم تصر سبباً لحرمة الانتفاع لهم، ولا سلب المالية والملكية عنهم، فالسلب فيها ليس على الإطلاق ولكلّ الأفراد والحالات. وعليه، فما كانت من تلك المحرّمات ممهّدة للمعاملة مع المستحلّين تكون مضمونة، وصناعتها محترمة، كما لايخفى. وبالجملة الضابطة لعدم احترام مثل الصناعة الحرمة المطلقة أو الحرمة الخاصّة فيما تكون هي المقصودة من ذلك الحرام.

[23] ـ في المثالين مناقشة، كما لايخفى، والأمر سهل; لعدم كون المناقشة في المثال من دأب المحصّل، فإنّ المهمّ الممثّل.

[24] ـ جريان جميع ما مرّ في اليد، إن لم تكن عادية وغاصبة وظالمة محلّ تأمّل وإشكال، بل منع، والمسألة محتاجة إلى تفصيل لايسعها المقام. نعم ما مرّ منّا في التعليقة على المسألة الرابعة عشرة لايخلو عن فائدة، فراجعها.

[25] ـ في إطلاق التسبيب مع عدم استناد التلف إلى الغاصب والحابس مسامحة غير خفية.

[26] ـ فيما لم يعلم بسببيّة الفتح، وإلاّ فيما علم بسببيّة الفتح فالظاهر عدم الإشكال في الضمان.

[27] ـ إلاّ أن يكون الفتح والدلالة للسرقة وقد تواطئا عليها، فالظاهر فيها الضمان.

[28] ـ أو كان بناؤه غير جائز.

[29] ـ أو إعلام الخطر ولم يُعلمه.

[30] ـ أو كان في معرض السقوط ولم يزله ولم يُعلمه.

[31] ـ بل ونهاراً مع التفريط; فإنّ الضمان وعدمه فيهما يكون بمناط التفريط وعدمه، فإنّه المستفاد من العلّة في موثّقة السكوني، ومن العلّة في خبر هارون بن حمزة، ففي الأوّل قال: «كان عليّ(عليه السلام) لايضمن ما أفسدت البهائم نهاراً ويقول على صاحب الزرع حفظ زرعه وكان يضمن ما أفسدت البهائم ليلاً»، وفي الثاني قال: سألت أبا عبداللّه(عليه السلام) عن البقر والغنم والإبل تكون في الرعى (المرعى ـ خ) فتفسد شيئاً هل عليها ضمان؟ فقال: «إن أفسدت نهاراً فليس عليها ضمان، من أجل أنّ أصحابه يحفظونه، وإن أفسدت ليلاً فإنّه عليها ضمان». (وسائل الشيعة 29: 277 / 1و3)

والظاهر أنّ ما عن متأخّري الأصحاب كابن إدريس وابن سعيد والعـلاّمة(رحمهم الله)من جعلهم الضابط التفريط وعدمه وحملهم الموثّقة على ذلك كان لمكان تلك العلّة، وما عن القدماء من الفتوى بالتفصيل على ما في المتن للإمام الاُستاذ(قدس سره) كان من جهة التبعية لعبارة الأحاديث، وإلاّ فالظاهر أنّ مرادهم أيضاً هو التفصيل بين التفريط وعدمه; لمكان العلّة ولأنّ الحكم بالضمان وعدمه في الأخبار من باب رعاية الغالب، فإنّ الغالب حفظ الدابّة ليلاً وحفظ الزرع نهاراً، فالخلاف بينهم وبين المتأخّرين ليس إلاّ في اللفظ ومجرّد العبارة، لا في المراد والمعنى. ولقد أجاد صاحب «الجواهر» حيث قال في آخر المسألة: «ولكنّ الإنصاف عدم صلاحية النصوص المزبورة التي منها قضيّة في واقعة، المعبّر عنها عن مضمونها بعبارات القدماء المعلوم عدم التحرير فيها، للخروج عن القواعد المحكمة المعتضدة بالعقل والنقل، فالتحقيق حملها على ما عرفت من كون ذلك مثالاً للتفريط وعدمه». (جواهر الكلام 43: 405)

[32] ـ بل على المكرِه (بالكسر) على تفصيل يأتي في كتاب القصاص.

[33] ـ بل الضمان عليهما، إن كان السعي والشكاية بغير حقّ، وإن كان استقراره على الظالم الآخذ كترتّب الأيادي المتعاقبة في الغصب.

[34] ـ بل الأوّل لايخلو من قوّة على ما بيّنّاه في تعليقتنا على «العروة»: كتاب المضاربة، المسألة الاُولى في «المسائل ]المتفرّقة[».

العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org