Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: القول في أحكام الدين

القول في أحكام الدين

(مسألة 1) : الدين : إمّا حالّ ، فللدائن مطالبته واقتضاؤه ، ويجب على المديون أداؤه مع التمكّن واليسار في كلّ وقت ، وإمّا مؤجّل ، فليس للدائن حقّ المطالبة ، ولايجب على المديون القضاء إلاّ بعد انقضاء المدّة المضروبة وحلول الأجل ، وتعيين الأجل تارة بجعل المتداينين كما في السلم والنسيئة ، واُخرى بجعل الشارع كالنجوم والأقساط المقرّرة في الدية .

(مسألة 2) : لو كان الدين حالاًّ أو مؤجّلاً وقد حلّ أجله ، فكما يجب على المديون الموسر أداؤه عند مطالبة الدائن ، كذلك يجب على الدائن أخذه وتسلّمه ؛ إذا صار المديون بصدد أدائه وتفريغ ذمته . وأمّا الدين المؤجّل ـ قبل حلول أجله ـ فلا إشكال في أنّه ليس للدائن حقّ المطالبة . وإنّما الإشكال : في أنّه هل يجب عليه القبول لو تبرّع المديون بأدائه أم لا ؟ وجهان ، بل قولان ، أقواهما الثاني ، إلاّ إذا علم بالقرائن أنّ التأجيل لمجرّد إرفاق على المديون ؛ من دون أن يكون حقّاً للدائن .

(مسألة 3) : قد عرفت أنّه إذا أدّى المديون دينه الحالّ يجب على الدائن أخذه ، فإذا امتنع أجبره الحاكم لو التمس منه المديون ، ولو تعذّر إجباره أحضره عنده ومكّنه منه ؛ بحيث صار تحت يده وسلطانه عرفاً ، وبه تفرغ ذمّـته ، ولو تلف بعد ذلك فلا ضمان عليه . ولو تعذّر عليه ذلك فله أن يسلّمه إلى الحاكم ، وبه تفرغ ذمّـته . وهل يجب على الحاكم القبول ؟ فيه تأمّل وإشكال([1]) . ولو لم يوجد الحاكم فهل له أن يعيّن الدين في مال مخصوص ويعزله ؟ فيه تأمّل وإشكال . ولو كان الدائن غائباً ، ولايمكن إيصاله إليه ، وأراد المديون تفريغ ذمّـته ، أوصله إلى الحاكم عند وجوده . وفي وجوب القبول عليه الإشكال السابق . ولو لم يوجد الحاكم ، يبقى في ذمّـته إلى أن يوصله إلى الدائن أو من يقوم مقامه([2]) .

(مسألة 4) : يجوز التبرّع بأداء دين الغير حيّاً كان أو ميّـتاً ، وبه تبرأ ذمّـته وإن كان بغير إذنه بل وإن منعه([3]) ، ويجب على من له الدين القبول .

(مسألة 5) : لايتعيّن الدين فيما عيّنه المدين ، ولايصير ملكاً للدائن ما لم يقبضه . وقد مرّ التأمّل والإشكال في تعيّنه بالتعيين ـ عند امتناع الدائن عن القبول ـ في المسألة الثالثة([4]) . فلو كان عليه درهم ، وأخرج من كيسه درهماً ليدفعه إليه ـ وفاءً عمّا عليه ـ وقبل وصوله بيده تلف ، كان من ماله ، وبقي ما في ذمّـته على حاله .

(مسألة 6) : يحلّ الدّين المؤجّل بموت المديون([5]) قبل حلول أجله ، لا موت الدائن ، فلو مات يبقى على حاله ينتظر ورثته انقضاءه ، فلو كان الصداق مؤجّلاً إلى مدّة معيّنة ، ومات الزوج قبل حلوله ، استحقّت الزوجة مطالبته بعد موته ، بخلاف ما إذا ماتت الزوجة ، فليس لورثتها المطالبة قبل انقضائه . ولايلحق بموت الزوج طلاقه ، فلو طلّقها يبقى صداقها المؤجّل على حاله . كما أنّه لايلحق بموت المديون تحجيره بسبب الفلس ، فلو كان عليه ديون حالّة وديون مؤجّلة ، يقسّم ماله بين أرباب الديون الحالّة ، ولايشاركهم أرباب المؤجّلة .

(مسألة 7) : لايجوز بيع الدين بالدين على الأقوى فيما إذا كانا مؤجّلين وإن حلّ أجلهما ، وعلى الأحوط في غيره ؛ بأن كان العوضان كلاهما ديناً قبل البيع ، كما إذا كان لأحدهما على الآخر طعام كوزنة من حنطة ، وللآخر عليه طعام آخر كوزنة من شعير ، فباع الشعير بالحنطة ، أو كان لأحدهما على شخص طعام ، وللآخر على ذلك الشخص طعام آخر ، فباع ما له على ذلك الشخص بما للآخر عليه ، أو كان لأحدهما على شخص طعام ، وللآخر طعام على شخص آخر ، فبيع أحدهما بالآخر . وأمّا إذا لم يكن العوضان كلاهما ديناً قبل البيع ؛ وإن صار أحدهما أو كلاهما ديناً بسبب البيع ، كما إذا باع ما له في ذمّة الآخر بثمن في ذمّـته نسيئة مثلاً ، فله شقوق وصور كثيرة لايسعها هذا المختصر .

(مسألة 8) : يجوز تعجيل الدين المؤجّل بنقصان مع التراضي ، وهو الذي يسمّى في لسان تجّار العصر بالنزول ، ولايجوز تأجيل الحالّ ولا زيادة أجل المؤجّل بزيادة([6]) .

(مسألة 9) : لايجوز قسمة الدين ، فإذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم متعدّدة ، كما إذا باعا عيناً مشتركة بينهما من أشخاص ، أو كان لمورّثهما دين على أشخاص ، فورثاه فجعلا بعد التعديل ما في ذمّة بعضهم لأحدهما وما في ذمّة آخرين لآخر ، فإنّه لايصحّ . نعم الظاهر ـ كما مرّ في الشركة ـ أنّه إذا كان لهما دين مشترك على أحد يجوز أن يستوفي أحدهما منه حصّـته ، فيتعيّن له ، وتبقى حِصّة الآخر في ذمّـته . وهذا ليس من قسمة الدين .

(مسألة 10) : يجب على المديون عند حلول الدين ومطالبة الدائن ، السعي في أدائه بكلّ وسيلة ؛ ولو ببيع سلعته ومتاعه وعقاره ، أو مطالبة غريم له ، أو إجارة أملاكه ، وغير ذلك . وهل يجب عليه التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة ؟ وجهان بل قولان ، أحوطهما ذلك ، خصوصاً فيما لايحتاج إلى تكلّف وفيمن شغله التكسّب ، بل وجوبه ـ حينئذ ـ قويّ . نعم يستثنى من ذلك بيع دار سكناه([7]) ، وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمّل ، ودابّة ركوبه إذا كان من أهله واحتاج إليه ، بل وضروريّات بيته ؛ من فراشه وغطائه وظروفه وإنائه ؛ لأكله وشربه وطبخه ولو لأضيافه ؛ مراعياً في ذلك كلّه مقدار الحاجة بحسب حاله وشرفه ، وأنّه بحيث لو كلّف ببيعها لوقع في عسر وشدّة وحزازة ومنقصة . وهذه كلّها من مستثنيات الدين ، لا خصوص بعض المذكورات ، بل لايبعد أن يعدّ منها الكتب العلميّة لأهلها ؛ بمقدار حاجته بحسب حاله ومرتبته .

(مسألة 11) : لو كانت دار سكناه أزيد عمّا يحتاجه ، سكن ما احتاجه وباع ما فضل عنه ، أو باعها واشترى ما هو أدون ممّا يليق بحاله . وإذا كانت له دور متعدّدة واحتاج إليها لسكناها لايبيع شيئاً منها ، وكذلك الحال في المركوب والثياب ونحوهما .

(مسألة 12) : لو كانت عنده دار موقوفة عليه تكفي لسكناه ـ ولم يكن سُكناه فيها موجباً لمنقصة وحزازة ـ وله دار مملوكة ، فالأحوط([8]) أن يبيع المملوكة .

(مسألة 13) : إنّما لا تباع دار السكنى في أداء الدين مادام المديون حيّاً ، فلو مات ولم يترك غير دار سكناه ، أو ترك وكان دينه مستوعباً أو كالمستوعب ، تباع وتصرف فيه .

(مسألة 14) : معنى كون الدار ونحوها من مستثنيات الدين : أنّه لايجبر على بيعها لأجل أدائه ، ولايجب عليه ذلك ، وأمّا لو رضي به لقضائه جاز للدائن أخذه . نعم ينبغي أن لايرضى ببيع مسكنه ، ولايصير سبباً له وإن رضي به ، ففي خبر عثمان بن زياد ، قال : «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : إنّ لي على رجل ديناً ، وقد أراد أن يبيع داره فيقضيني ؟ فقال أبو عبدالله(عليه السلام) : اُعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه» ، بل الاحتياط والتورّع في الدين يقتضي ذلك ، بعد قصّة ابن أبي عُمير ـ رضوان الله عليه ـ .

(مسألة 15) : لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائداً على المستثنيات ، لا تباع إلاّ بأقلّ من قيمتها ، يجب بيعها للدين عند حلوله ومطالبة صاحبه ، ولايجوز له التأخير وانتظار من يشتريها بالقيمة . نعم لو كان ما يشترى به أقلّ من قيمته بكثير جدّاً ـ بحيث يعدّ بيعه به تضييعاً للمال وإتلافاً له ـ لايبعد عدم وجوب بيعه .

(مسألة 16) : كما لايجب على المُعسر الأداء ، يحرم على الدائن إعساره بالمطالبة والاقتضاء ، بل يجب أن يُنظره إلى اليسار .

(مسألة 17) : مماطلة الدائن مع القدرة معصية([9]) ، بل يجب عليه نيّة القضاء مع عدم القدرة ؛ بأن يكون من نيّـته الأداء عندها .

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ لكنّ الوجوب فيه وفي الفرع الآتي الذي أشار فيه إلى الإشكال السابق لايخلو من قوّة .

[2] ـ إلاّ مع طول الغيبة المستلزم للضرر والحرج للبقاء في ذمّة المديون فله التعيين في مال مخصوص مع العزل ، وهكذا الأمر في الفرع السابق، والظاهر عدم الضمان فيهما على الإطلاق بمعنى عدم وجوب المحافظة عليه حسب المتعارف مع كونه حرجياً وضررياً .

[3] ـ فيما لم يستلزم الوفاء عنه ضرراً أو حرجاً عليه من حيث كون تبرّع هذا الشخص لوفاء دينه منافياً لشأنه مثلاً.

[4] ـ وقد مرّ منّا الكلام فيه .

[5] ـ حفظاً لحقّ الدائن؛ لئـلاّ يتضرّر بتصرّف الورثة في المال وتقسيمه ، كما أنّ منع الورثة من التصرّف في المال إلى حين حلول الأجل المضروب للدين ضرر عليهم ، فلو تقبّل الورثة الدين في ذمّتهم وكانوا ملاءً، بحيث كانت ذمّتهم عند العقلاء أقوى أو مساوياً لذمّة الميّت أو أرهنوا مالا عند الدائن لاتحلّ ديون الميّت وعلى الدائن الصبر إلى حلول الأجل ؛ لحكم العقلاء بذلك ، وأ نّه جمع بين الحقّين .

[6] ـ لكون الزيادة رباً ، وعلى هذا فيأتي فيه التفصيل المتقدّم في الربا المعاملي بين الاستثماري منه والاستهلاكي .

[7] ـ في إطلاق الاستثناء تأ مّل وإشكال، بل منع ، والظاهر اختصاص الاستثناء في تلك الموارد بعدم كون الديون مؤثّرة في تملّكها تأثيراً معتدّاً به ، فضلاً عمّا كانت بالديون ، وبعدم كون إفلاسه وعدم قدرته على الأداء ناشئاً من جهة إفراطه وتفريطه في المعاملة والتجارة ، وعدم مبالاته بأموال الناس وبما عليه من ديونهم ، بحيث يكون مقصّراً في الإفلاس عند أهل السوق .

وذلك لانصراف أخبار الاستثناء من قوله(عليه السلام) : «لاتُباع الدار ولا الجارية في الدين» ، وقوله(عليه السلام) : «لايخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين»، (وسائل الشيعة 18 : 340 / 1 و8) عمّا كان الإفلاس من جهة الإفراط وعدم المبالاة ، وعمّا كانت الدار متملّكة بالديون أو بتأثيرها في تملّكها تأثيراً دخيلا معتدّاً به ، فإنّ المتفاهم من الإرفاق بالمديون بعدم وجوب الأداء عليه ببيع مثل داره المسقط لرأسه، كما في صحيح ذريح المحاربي ، وابن أبي عمير المشعر بالعلّية، والمعلّل في صحيح الحلبي بقوله(عليه السلام) : «وذلك أ نّه لابدّ للرجل من ظلّ يسكنه»، (وسائل الشيعة 18 : 340 / 1) الإرفاق به إلى الحدّ المتعارف الذي لايكون إفراطاً في ذلك ، وخلافاً بالنسبة إلى الدائنين ، وموجباً لتأثّرهم .

ولورود المشقّة الكثيرة غير المتعارفة عليهم بالإفراط في الإرفاق ، فالحكم بعدم بيع دار المديون (مع عدم المبالاة في التجارة أو فيما كان مثل الدار التي اكتسبها واشتراها بالدين أو بتأثير الدين فيه) لأداء ديونه ، وبلزوم الانتظار والصبر عليهم إلى القدرة على الأداء إلى مدّة غير معلومة ، ظلم وتعدّ على الدائنين ، بل وضرر عليهم ، وموجب للانصراف عن مثله ، بل، وبذلك يظهر أ نّه على الإطلاق لابدّ من التقيّد والاختصاص بما ذكرناه بأدلّة نفي الظلم في الأحكام عقلاً وشرعاً ، وإنّ ربّك ليس بظلاّم للعبيد ، وبأدلّة نفي الضرر والحرج. وهذه العناوين وإن كانت محقّقة في غير الموردين من سائر الموارد في الأخبار أيضاً ، إلاّ أنّ العقلاء والعرف يرضون بذلك المقدار من الإرفاق في ديونهم ومطالباتهم؛ لعدم كون المديون مقصّراً ، كما هو المفروض ، ولعدم كون مسقط رأسه مربوطاً بديونه ، وهذا بخلاف الموردين المنصرف منهما الإطلاق ، كما لايخفى .

ومن العجيب ما في «الجواهر» ممّا يظهر منه عدم العسر والحرج في الانتظار على الصنف من رأس ، وأ نّه لو فرض حصوله ففي خصوص الشخص ، ودونك عبارته : «ودعوى أنّ ذلك لايتمّ في حقوق المخلوقين ، كما عن بعض الشافعية واضحة المنع ، ضرورة إطلاق الأدلّة ، كدعوى أ نّه مشترك بينه وبين صاحب المال ؛ إذ فيه أ نّه لا عسر ولا حرج في الانتظار ، ولو فرض حصوله في خصوص شخص لم يكن معتبراً ؛ لأنّ المدار على المشقّة على الصنف لا الشخص ، كما حقّق في محلّه». (جواهر الكلام 25 : 338)

ثمّ إنّه بما بيّناه من وجود الفرق عند العقلاء ورضاهم بالانتظار في مورد الأخبار والأدلّة دون غيره يندفع استبعاد المقدّس الأردبيلي(قدس سره) في استثناء مثل الخادم والفرس ونحوهما، دون قوت أكثر من يوم وليلة ، فإنّ الفارق بينهما العرف والعقلاء ، وهم لايرضون بالزيادة في النفقة ، حيث إنّها متحصّلة غالباً يوماً فيوماً، دون مثل الدار والخادم ، كما لايخفى .

[8] ـ لو لم يكن الأقوى .

[9] ـ كبيرة .

العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org