Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: دفع توهّم

دفع توهّم

ثمّ إنّـه ربما يتوهّم إمكان استنقاذ قاعدة كلّيّـة، وهي عدم جواز الانتفاع من النجس من الموارد الجزئيّـة، كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ(([469])، فإنّ تعلّق الحرمة بذات العناوين المذكورة فيه، يدلّ على حرمة جميع الانتفاعات([470])، فإنّها أولى في تصحيح الادّعاء في النسبة من حرمة بعض المنافع مع عدم القرينة عليها.

ونحوها قوله تعالى: (إنّما حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ(([471]).

وكالروايات الكثيرة الدالّة على وجوب إهراق الماء المتنجّس([472])، والمرق المتنجّس([473])، وإلقاء ما حول النجس في الدهن الجامد([474]).

وقوله في صحيحة الكاهلي، عبدالله بن يحيى، أو حسنته، عن أبي عبدالله(علیه السلام)، في مـورد قطع إليات الغنم: «أنّ في كتاب عليّ(علیه السلام) أنّ ما قطع منها ميّت لا ينتفـع بـه»([475]).

وفيه: منع استفادة حرمة مطلق الانتفاعات في الموارد المذكورة، فضلاً عن الإسراء إلى غيرها.

أمّا الآيتان، فلما فيهما من القرائن في نفس الثلاثة، وفيما قبلهما وبعدهما ممّا تدلّ على أنّ المراد بتحريم العناوين، تحريم أكلها فحسب.

منها: ذكر لحم الخنزير، للجزم بعدم إرادة جواز الانتفاع بغير لحمه، المستفاد من المفهـوم؛ وذلك لأنّـه لو كـان المـراد من حرمة لحمـه حرمة جميـع منافعـه، لا الأكل بالخصوص، فالمفهوم منها، قضاءً لكون الآية في مقام بيان الضابطة الكلّيّـة، عدم حرمة منافع غير لحمه أيّ منفعة كانت مطلقاً، ولو كانت فيما يشترط فيه الطهارة، وهو كما ترى، للجزم بالحرمة في الانتفاع بغير لحمه ولو في الجملة، وهذا بخلاف ما لو كان المراد حرمة الأكل فقط، حيث إنّ مفهومها عدم حرمة لحوم غيره، كما لا يخفى، فإنّ الآية على ذلك في مقام بيان الضابطة في أكل اللحوم حرمة وجوازاً، وللجزم أيضاً بعدم كون المراد عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقاً حتّى الانتفاع من جلده للفراش وغيره ممّا لا يشترط فيه الطهارة، فإنّـه جائز قطعاً، فالمراد من الحرمة المتعلّقة به هو حرمة لحمه.

ومنها: عدم ذكر الكلب؛ لعدم كونه ممّا يتعارف أكله.

ومنها: استثناء الاضطرار في المجاعة، بقوله تعالى في آخر الآية بعد ذكر المحرّمات من الحيوانات المذبوحة: Cفَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌB([476])، فإنّ المراد منه جواز أكلها في المخمصة.

ومنها: قوله تعالى، قبل الآية الثانية: Cكُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ...B([477]).

وتعقيب الأولى بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ))[478]) إلى قوله: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)([479]) وقوله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)([480]) فاحتفافهما بما ذكر، يوجب ظهورهما في إرادة الأكل، لا الانتفاعات الاُخر.

هذا مع أنّ الشائع من المنافع منها، سيّما الدم ولحم الخنزير، هو الأكل.

ومع ورود روايات يظهر منها ما ذكرناه، كرواية المفضّل بن عمر، المرويّـة عن أبي عبدالله(علیه السلام) بطرق لا يبعد حسن بعضها، قال: قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): أخبرني ـ جعلت فداك ـ لم حرّم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟... ـ إلى أن قال(علیه السلام): ـ «ولكنّـه خلق الخلق، وعلم عزّوجلّ ما تقوم به أبدانهم، وما يصلحهم، فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً» ـ إلى أن قال(علیه السلام): ـ «أمّا الميتة فإنّـه لا يدمنها أحد إلّا ضعف بدنه، ونحل جسمه، وذهبت قوّته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلّا فجأة»([481])، ثمّ ذكر مفاسد أكل الدم، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر؛ وذلك لما يظهر منها أنّ متعلّق الحرمة في الآية، الأكل والشرب، لا غير.

وقريبٌ منها روايات اُخر([482])، يظهر منها ما ذكر؛ لما ذكر.

وأمّا الروايات الآمرة بإهراق الماء المتنجّس، فلأنّ الماء القليل الذي بقي في الإناء من فضل الكلب ونحوه، لا فائدة له نوعاً سوى الشرب، أو الوضوء، أو غسل شيء به، فيكون محمولاً عليه، حملاً للكلام على المتعارف وما يكون مرتبطاً به نوعاً، لا النادر القليل الذي لا يلتفت إليه، كما لا يخفى، ومع عدم جوازها لابدّ من إهراقه، فلا تدلّ تلك الروايات على حرمة مطلق الانتفاع به، لو فرض له انتفاع، كصبّه على أصل شجر ونحوه؛ لانصرافه عن مثل ذلك الانتفاع النادر وانصرافه إلى الانتفاع المتعارف.

هذا مضافاً إلى أنّ الروايات الواردة فيه، إنّما هي في مقام بيان أحكام اُخر.

فقوله(علیه السلام) في الكلب إنّـه: «رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، وأصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب...»([483])، في مقام بيان عدم جواز التوضّي به، وفي مقام بيان طريق تطهير الإناء من ولوغ الكلب، لا عدم جواز سائر الانتفاعات، سيّما مثل تطيين التراب به، وكذا حال سائر الروايات.

وأمّا ما فيها الأمر بإهراق المرق، فلأنّـه مضافاً إلى عدم نفع له إلّا الأكل الممنوع، أنّ الظاهر أنّ الأمر بإهراق المرق كناية عن حرمة أكله، كما يدلّ عليه قوله: «ويغسل اللحم ويؤكل»([484]).

هذا مضافاً إلى أنّ في رواية زكريّا بن آدم: «يهراق المرق، أو يطعمه لأهل الذمّة أو الكلاب، واللحم فاغسله وكله»([485])، وإطعامهما نحو انتفاع به، سيّما إذا كان الذمّيّ ضيفاً له، والكلب لماشيته وحراسته، وفيها أيضاً تجويز بيع العجين النجس من المستحلّ، وكذا في مرسلة ابن أبي عمير([486]).

وأمّا روايات إلقاء ما حول الجامد من الدهن وغيره، فتدلّ على جواز الانتفاع.

ففي موثّقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله(علیه السلام) عن الفأرة تقع في السمن، أو في الزيت، فتموت فيه، قال: «إن كان جامداً فيطرحها وما حولها، ويؤكل ما بقي، وإن كان ذائباً فاسرج به، وأعلمهم إذا بعته»([487]).

والظاهر منها جواز الإسراج، ولو بالجامد الذي حولها؛ لعدم الفرق بينهما في ذلك، فإنّ المناط في جواز إسراج الذائب عدم كون الإسراج ممّا يشترط فيه الطهارة، فكما يجوز ذلك فيه، فكذلك يجوز فى الجامد النجس أيضاً، وإنّما قال تطرحها؛ لعدم كونه معتدّاً به، مع قوّة احتمال أن يكون كناية عن عدم أكله. ونحوها غيرها.

فتحصّل ممّا ذكرناه، أنّ القاعدة جواز الانتفاع بصنوف النجاسات، وليس في الأدلّة ـ كما مرّ ([488])ـ دليل عامّ يدلّ على حرمة جميع الانتفاعات بها، كما لا دليل فيها كذلك على حرمة بيعها، بل مقتضى إطلاق أدلّة التجارة والعقود، جوازه فيما ينتفع به، فالخروج من الكلّيّتين المتقدّمتين، أي القاعدتين، في بعض الموارد محتاج إلى الدليل عليه، ولابدّ من التماسه، فالمتّبع المحكّم في كلا الحكمين مع عدم الدليل الخاصّ على الخروج الأدلّة العامّة فيها، فيحكم بجواز الانتفاع به، وجواز البيع في ما ينتفع به، كالبول ممّا لا يؤكل لحمه، والمنيّ مثلاً؛ لعدم الدليل فيهما بالخصوص، فيجوز الانتفاع بهما في غير الشرب والأكل، وبيعهما، إن كان لهما منفعة عقلائيّـة، كمنيّ الحيوانات للتلقيح، المتعارف في هذا العصر، وكالدم للتزريق.

--------------------
[466]. تحف العقول: 331.
[467]. دعائم الإسلام 2: 18، ذكر ما نهي عن بيعه، الفصل 2، الحديث 23.
[468]. مرّ في الصفحة:152 ـ 153.
[469]. المائدة (5): 3.
[470]. راجع: جواهرالكلام 22: 11.
[471]. البقرة (2): 173.
[472]. وسائل الشيعة 1: 151 ـ 156، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 2، 4 و 14.
[473]. وسائل الشيعة 3: 470، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 38، الحديث 8.
[474]. وسائل الشيعة 1: 205، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 5، الحديث 1.
[475]. الكافي 6: 254، باب ما يقطع من إليات الضأن و...، الحديث 1؛ الفقيه 3: 209/967، باب في الصيد والذبائح، الحديث 57، وفيه: «ميتة» بدل: «ميّت»؛ التهذيب 9: 78/330، باب الذبائح والأطعمة وما يحلّ من ذلك وما يحرم منه، الحديث 65؛ وسائل الشيعة 24: 71، كتاب الصيد والذباحة، أبواب الذبائح، الباب 30، الحديث 1.
[476]. المائدة (5): 3.
[477]. البقرة (2): 172 و 173.
[478]. المائدة (5): 4.
[479]. المائدة (5): 4.
[480]. المائدة (5): 5.
[481]. الكافي 6: 242، باب علل التحريم، الحديث 1؛ الفقيه 3: 218/1009، باب في الصيد والذبائح، الحديث 99، وفيه: «محمّد بن عذافر، عن أبيه، عن أبي جعفر(علیه السلام)»، مع تفاوت في ألفاظه. وسائل الشيعة 24: 99، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 1، الحديث 1، مع تفاوت يسير.
[482]. وسائل الشيعة 24: 99، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 1.
[483]. التهذيب 1: 225/646، باب المياه وأحكامها وما يجوز التطهّر به وما لايجوز، الحديث 29؛ الاستبصار 1: 19/40، باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب، الحديث 2؛ وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الأسآر، الحديث 4.
[484]. الكافي 6: 261، باب الفأرة تموت في الطعام والشراب، الحديث 3؛ التهذيب 9: 86/365، باب الذبائح والأطعمة وما يحلّ من ذلك وما يحرم منه، الحديث 100؛ الاستبصار 1: 25/62، باب حكم الفأرة والوزغة والحيّـة والعقرب إذا وقع في الماء وخرج منه حيّاً، الحديث 5؛ وسائل الشيعة 24: 196، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 44، الحديث 1.
[485]. الكافي 6: 422، باب المسكر يقطر منه في الطعام، الحديث 1؛ التهذيب 1: 279/820، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 107؛ و 9: 119/512، باب في الذبائح والأطعمة وما يحلّ من ذلك وما يحرم منه، الحديث 247؛ الاستبصار 4: 94/363، باب الخمر يصير خلاً بما يطرح فيه، الحديث 9؛ وسائل الشيعة 25: 358، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب 26، الحديث 1، وفيه:«يهرق» بدل:«يهراق».
[486]. وسائل الشيعة 1: 242، كتاب الطهارة، أبواب الأسآر، الباب 11، الحديث 1.
[487]. التهذيب 7: 129/562، باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، الحديث 33؛ وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، الحديث 3.
[488]. مرّ في الصفحة 198 وما بعدها.

العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org