Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: المقدمة

المقدمة

المقدّمة


يفترض بأي أيديولوجيا أو مدرسة; كي تدعو الناس إليها، أن تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الفطرية للبشر والمشكلات الاجتماعية التي يعيشونها، ثم تقوم بتشييد أسسها ومعالمها وفقاً لذلك، لتقدّمها للمجتمع الإنساني، قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التى فطر الناس عليها..).(1)والسبب في ذلك أن التعامي عن حاجات الإنسان في الحياة سوف يعيق أي مدرسة فكرية عن النجاح في جذب الناس إليها، فأحد طرق اعتراف المجتمع تكمن في سهولة الدين، وهي مفهوم يرجع إلى فطريته وتلبيته لحاجات الإنسان، جاء في الحديث: «بعثني بالحنيفية السهلة السمحة».(2)


من هنا، أمر الله الحكيم سبحانه ـ وهو خالق الإنسان الترابي والعارف بحاجاته أكثر من أي شخص آخر ـ الأنبياء والرسل أن يطرحوا رسالاتهم ضمن برامج تتضمّن نشر العدالة ورفع الظلم وأشكال التمييز في المجتمع، ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا المعيار، كان الحكيم سبحانه يذكّر في القرآن الكريم نبيّه بأنّ ربّه لا يظلم عباده أبداً، وأن قيمة كل إنسان إنما هي بأعماله ونوعها، وأنه لا أفضلية ولا ترجيح لإنسان على آخر، بل معيار القرب من الله إنما هو التقوى والورع والأعمال الصالحة، لا العرق ولا القومية، وهي اُمور تقع بدورها لمصلحة الإنسان; فإن التقوى مانع عن وقوع الظلم والجور والتعدّي.

طبقاً لهذا الأساس، نرى أن تمام الأحكام الشرعية لابدّ لها أن تقوم على أساس العدالة، وهو مبدأ لا يقبل الاستثناء، وبناءً عليه، يمكن للمدارس التي ترى العدالة محوراً لها أن تطرح وتشكك في أيّ حكم مخالف للعدالة وموافق للظلم والتمييز; والسبب في ذلك أن المعيار للأحكام كلها من جهة الشارع إنما كان العدالة والإنصاف.

من الواضح أن الشارع الحكيم لن يُصدر على الإطلاق حكماً ظالماً، وعندما نجد في الكتاب والسنّة حكماً مشوباً بالظلم فعلينا إعادة النظر في أسسه وفي سبيل استنباطه وطريقة استخراجه.

ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا المبدأ، وهذا المعيار الهام في جعل الأحكام وتشريعها، نرى أن من بين هذه الأحكام التي تواجَه اليوم بشبهة التمييز وعدم العدالة والمساواة هو الحكم بعدم تساوي شهادة النساء مع الرجال، وهو عدم تساو يرجع إلى المباحث المرتبطة بالدعاوى القضائية، كما يرجع إلى إثبات بعض الأحكام الشرعية، مثل رؤية الهلال، ففي بعض الدعاوى القضائية مثل الحدود العرضية أو بعض الأحكام الشرعية، مثل ثبوت الطلاق. رفضت شهادة النساء رفضاً كلياً وباتاً، وهو ما من شأنه أن يفجّر شبهة الظلم وعدم العدالة في الاسلام.

وانطلاقاً من ملاحظة الشبهات المثارة هنا في موضوع شهادة النساء، نستهدف في هذه الدراسة معالجة هذا الموضوع على مستوى أدلّته في الكتاب والسنّة وأقوال الفقهاء، هادفين من ذلك:

أ ـ معرفة هل صدر حكم من هذا القبيل من جانب الشارع سبحانه أم لا؟ بمعنى أن الشارع الحكيم الذي يرفض التمييز والظلم في أحكامه وينفيهما، هل وضع هنا حكماً عاماً كلياً على الموضوعات الفقهية والدعاوى المحتاجة إلى شهادة الشهود فاعتبر أن قيمة شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد؟ أم أنه لا يوجد من الأساس حكم من هذا القبيل، وهو ما من شأنه رفع شبهة التمييز والظلم من جذورها، بحيث لا يعود يمكن الحديث عن مخالفة تشريعات الإسلام في شهادة النساء للعدالة؟

ب ـ إذا ثبت في بعض الحالات ـ عبر الأدلة المتقنة، والنصوص الصريحة الثابتة ـ أن قيمة شهادة امرأتين تساوي قيمة شهادة رجل واحد، أو ثبت أنه لم تقبل شهادة النساء من رأس، فكيف يمكن تفسير هذا الحكم الشرعي وتبريره؟

ولكي نصل إلى هذين الهدفين أعددنا هذه الدراسة على قسمين، حيث تحدثنا في القسم الأول حول جملة موضوعات، من قبيل قيمة شهادة المرأة، والأصل العملي في الشهادات، والأدلّة العامة على عدم تساوي شهادة الرجل والمرأة، أما القسم الثاني ـ وهو ما يمثل المحور الرئيس لهذه الدراسة ـ فقد استوعبنا فيه بالبحث والتنقيب أدلّة بعض الملفات مثل شهادة النساء في الأمور المالية، ورؤية الهلال، والطلاق، والرضاع، والنكاح. والحدود (العرضية وغيرها) و...

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ هذه الأبحاث تقوم على دروس بحث الخارج في الفقه، والتي ألقاها سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي (دام ظله) في العام الدراسي 79 ـ 80 هـ .ش/ 2000 ـ 2001 م في المدرسة الفيضية المباركة في مدينة قم، وحيث قد تلمّذت في تلك الفترة على يديه، ومع الأخذ بعين الاعتبار النظريات الجديدة التي كان الشيخ الأستاذ يطرحها حول شروط الشاهد والشهود، لا سيّما شرطية الذكورة، وانطلاقاً من حث الإخوة والأصدقاء في مؤسسة (فقه الثقلين)، قرّرت القيام بتنظيم هذه الدروس وتصحيحها وتقويم نصّها.


ولا يفوتنا التذكير بأنّ إعادة كتابة المباحث الفقهية المليئة بالاصطلاحات والتدقيقات والتعقيدات التي يحتاج فهمها إلى التوفر على مقدّمات، والحضور في مجالس دروس الأساتذة الفخام في الحوزات العلمية ـ صانها الله عن الحدثان ـ إعادة كتابتها في قالب يمكن لغير طلاب الحوزات العلمية، مثل طلبة الجامعات والمثقفين، الاستفادة منها... إنّ ذلك كله يظل عملاً صعباً، لكني سعيت في هذه الأوراق ـ قدر الإمكان ـ لعرض ما يطرح على مستوى أبحاث الخارج حول شهادة النساء وما فيها من إشكاليات وأجوبة وما يتصل بذلك، بما يحقّق الهدف من ورائها.

وفي الختام، يلزمني تقديم ألوان الشكر والتقدير لوالدي المعظّم في إرشاداته التي قدّمها لي، على مستوى كيفية طرح الأبحاث والإشارة إلى نكات فقهية دقيقة.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

فخر الدين الصانعي

صيف 1384 هـ. ش / 2005 م.

27 ـ رجب المرجب ـ 1426 هـ. ق

--------------------------------------------------------------------------------

(1) الروم: 30.

(2) الفروع من الكافي 5: 494، كتاب النكاح، باب كراهية الرهبانية وترك الباه.

العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org