Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: المقام الثاني: شواهد تقدّم ولاية الأمّ

المقام الثاني: شواهد تقدّم ولاية الأمّ ما توصّلنا إليه وأثبتناه حتى الآن في مسألة ولاية الأمّ بعد وفاة الأب هو أن عموم الأدلّة يعطي للأم ولايةً على صغارها، كما أن الأدلّة الأخرى المقامَة على اختصاص الولاية بالجد دون الأمّ قد بانت غير تامّة، فقد واجهت بعض الإشكالات التي تُسقطها عن صلاحية الاستناد إليها.

والآن، إذا ذهب شخصٌ إلى أن الولاية بعد موت الأب منحصرة بالأم لا تصلُ إلى غيرها، بمن في ذلك الجدّ، فلا بد له من دليل يقيمه أو قرينة وشاهد يذكره، وهذا هو محلّ حديثنا في هذه المرحلة من البحث، وهو أنه ما دامت ولاية الأمّ ـ ثبوتاً ـ قد منحت لها بالأدلة العامة المتقدمة، وفرضنا قدرتها على تحمّل هذه المسؤولية، أي تحلّيها بالأمانة والتدبير، فإن عموم قوله تعالى: (..وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله..)(الأنفال: 75)، سيكون حجةً ودليلاً محكماً ومتيناً على تقدّم الأمّ، حيث إن قرابتها ورحميّتها أقرب لأولادها من قرابة الجدّ أو غيره.

وما قيل من أن الآية خاصةٌ بمسألة الإرث وسببه غلبة الاستناد إليها في بابه ليس بصحيح ولا بتام، ذلك أن متعلّق الآية عام، وغير مختصّ، وتخصيصه بالإرث خلاف الظاهر، بل هو نوع من التفسير بالرأي، كما ن الاعتبارات والمناسبات العقلائية والدينية تصلح شاهداً على هذا التقدّم لصالح الأمّ.

وشرح هذين الشاهدين كما يلي:


1 ـ المناسبات والاعتبارات العقلائية


لا شك أن العقلاء والعرف الإنساني يرجّحون الأمّ الأمينة المدبّرة لمتابعة شؤون أولادها على غيرها، إن محبّة الأمّ، وإرادتها خيراً بأبنائها، وقرابتها الشديدة من الأولاد، أكثر من أيّ طبقة من طبقات الأقارب عدا الأب، فإذا ما وضعناها مع الجدّ للأب أو أيّ واحد من الأقارب في رتبة واحدة، فمن الطبيعي أن يرى العقل الجمعي للبشر والثقافة الإنسانية الأمّ أليق بذلك وأجدر.

2 ـ الاهتمام الديني بعواطف الأمّ وأحاسيسها


تؤيّد النصوص الدينية ـ الكتاب والسنّة ـ وبأشكال مختلفة احترام عواطف الأمّ وأحاسيسها، فيشرح القرآن الكريم معاناة الأمّهات في فترات الحمل ووضع الجنين، فيقول: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً..)(الأحقاف: 15).


وفي العديد من الآيات، يوصي الله تعالى بالآباء والأمهات، جاعلاً ذلك عقب وصيّته بعبادته، قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً..)(العنكبوت: 8)، (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن ..) (لقمان:14)، (وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه وبالوالدين إحساناً..) (الإسراء: 23)، (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً..)(النساء: 36)، (..لا تعبدون إلاَّ الله وبالوالدين إحساناً..) (البقرة:83).

وفي الكثير من الروايات الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام)، يوصي الأولاد بالإحسان إلى أمّهم، مثل ما جاء في الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «جاء رجلٌ إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله! من أبر؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أباك»(41).

ويذهب الشهيد الأوّل إلى أنه لو نادى الأبُ على الابن في صلاته المندوبة يمكن للابن أن لا يجيب والده، ويمضي ليتمّ صلاته، أما لو نادت الأمّ ولدَها وهو في صلاة مستحبة، استحبّ له قطع الصلاة وإجابة أمّه(42).

إن مثل هذه النماذج كثير جداً في النصوص الدينية وفي الفقه الإسلامي أيضاً، ويستفاد من مجموعها أن الشريعة الإسلامية أولت أهميةً وعنايةً خاصّة بعواطف الأمّ ومشاعرها، وهذا ما يتحقق في مسألتنا هنا عبر تقديم الأمّ، واعتبارها أسبق من الجدّ.

وإذا لم يقتنع بعضُهم بمثل هذه الشواهد والقرائن، ولم يستفد منها تقدّم الأمّ في الولاية على الجدّ، فإنّ العمومات التي تقدّمت في الفصل الأوّل تثبت ولاية الأمّ إلى جانب الجدّ وسائر الأقارب، وأيّ منهم يقدم على أمر ما يكون تصرّفه نافذاً، نعم لو استلزم من ذلك الهرج والمرج وحلول الفوضى أمكن للدولة منح هذا الحقّ لواحد بعينه تخصّه به، لايشاركه فيه غيره.
__________________________________________
(41) الكافي 2: 159، ح9.
(42) القواعد والفوائد 2: 48
العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org