Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: دروس خارج الأصول
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: الإجزاء (درس75)
الإجزاء (درس75)
الدرس دروس خارج الأصول
مباحث الدليل اللفظي
الدرس 75
التاريخ : 2008/12/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الجواب الثاني: وهو العمدة في الأجوبة وعبارة عن كون الحكومة تدور مدار لسان الدليل، ومحورها الدليل، فكذلك تشخيصها برأي العرف، بمعنى أن العرف قد يجعل لسان دليل حاكماً على دليل آخر، لكنه لا يجعل نفس اللسان حاكماً على دليل مشابه. والسر في ذلك واضح، من حيث إن الحكومة أمر عرفي، فالمتبع رأي العرف ورؤيته.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا جعل الشارع أو المقنن قوانين ترجع إلى نفسه لا إلى الناس، وأراد توسيع الحكم أو تضييقه يحكم العرف عندئذٍ بالحكومة، ويقول بالإجزاء، مثل الأمثلة التي تقدم ذكرها، أي ((لا صلاة إلاّ بطهور))[1] و(كلّ شيء طاهر)[2] و(رفع ما لا يعلمون)[3] ، فلو كان شخص يجهل جزئية السورة في الصلاة فكان يصلي دونها، ثم انكشف له جزئيتها، فصلاة هذا الشخص صحيحة بمقتضى حديث الرفع، والعرف يفهم الحكومة والإجزاء من هذا النحو من التقنين.
أمّا إذا وضع المقنن قانوناً يخص الناس، وهو ما نعبر عنه بالحقوق المدنية والحقوق الاجتماعية، مثل الإرث والنكاح والبيع والإجارة، ثم يضع أصلاً لسانه الرفع، فلا يرى العرف مجالاً للحكومة هنا.
والسرّ في ذلك أن الأمر هنا لا يخص المقنّن لكي نقول: يبين باقيه النبيُ صلّى الله عليه وآله وآلُه عليهم السلام، بل الحقوق هنا حقوق الناس، كما لو تزوج رجل امرأة وتبين بعد ذلك أنها اُخته من الرضاعة، أو باع مالاً وتبين بعد ذلك أنه ملك للآخرين. ولهذا لا يرى العرف الحكومة في موارد من هذا القبيل.
إن قلت: ما الفرق بين هذا المورد والمورد السابق مع أنه بالإمكان جريان (رفع ما لا يعلمون) في الموردين، فلماذا تجري في أحدهما دون الآخر؟
قلت: دليله ما تقدمت الإشارة إليه، وهو أن الحكومة مبتنية على رأي العرف، وتحديد الموارد متوقف على رأي العرف كذلك.
إن شئت قلت: معنى الحكومة هو جعل المقنّن مفاد الاُصول الجارية عند الشك بمثابة الواقع، وهذا الادراك والمفهوم ليس مدلولاً للفظ، فلا يوجد هكذا شيء في الألفاظ لكي ندركه، بل العرف هو الذي يدرك هذا، وهو يفرق بين التكاليف الإلهية وحقوق الناس والحقوق المدنية.
مقام الإثبات
ثم إن ما تقدَّم كان بحثاً في مقام الثبوت، أمّا في مقام الإثبات فينبغي معرفة أي من الأدلة لسانه حاكماً، وأي لسان دليله غير حاكم؟
حال أصالة الطهارة وأصالة الحل واضح؛ لأن لسان دليلها لسان الجعل ويكون حاكماً، ومثلها حديث الرفع، فلنفرض عدم العلم بأن السورة جزء من الصلاة أم لا، فيقول: رفعت السورة، فهذا اللسان لسان رفع، ويؤدي إلى التضييق في دليل المحكوم، أي أن السورة جزء لكن للعالمين بالجزئية لا الجاهلين بها.
أمّا الاستصحاب، فلسان دليله حاكم ظاهراً؛ وذلك رغم كون ظاهر الروايات استصحاب الحكم ببقاء اليقين، والتعبد بوجود اليقين ((لا تنقض اليقين بالشك وإنما تنقضه بيقين آخر))[4] ، وبما أن اليقين وجداني لا إجزاء فيه فمن باب أولى ألاّ يكون لليقين التعبدي إجزاء. وهذا ليس ظاهر المراد، بل المراد من التعبد ببقاء اليقين التعبد ببقاء المتيقن، وإذا تعبد ببقاء المتيقن فالحكومة واضحة.
والقول بأن هذا ليس ظاهر المراد لأجل أن اليقين في روايات الاستصحاب يقين طريقي، وإلاّ فلا استصحاب في اليقين الموضوعي، في اليقين الموضوعي يذهب الحكم قطعاً بمجرد ذهاب اليقين، ولهذا قلنا بأن اليقين في روايات الاستصحاب يقين طريقي، وإذا كان طريقياً فقد الآثار الشرعية، فلا تناله يد الجعل إثباتاً ونفياً، ولا يقبل التعبد؛ لفقدانه الآثار الشرعية، والتعبد خاص فيما إذا كان هناك أثر شرعي.
إذن، مراد روايات الاستصحاب التعبد ببقاء المتيقن، وعندئذٍ يكون الإجزاء فيه واضح، من قبيل القول: أنت على وضوء، أو أنت على طهارة من ثوبك. فالقاعدة في الاستصحاب الإجزاء ولو أن ظاهره البدوي عدم الإجزاء والتعبّد بوجود اليقين، لكن هذا الظاهر البدوي غير مراد قطعاً؛ لأنّه لا معنى للتنزيل في اليقين، واليقين الموضوعي لا يقبل الشك، واليقين الطريقي لا أثر شرعياً له، ولهذا يكون المراد: التعبد ببقاء المتيقن.
قاعدة الفراغ والتجاوز
بقي في المقام قاعدة الفراغ والتجاوز، والحق أن فيها إجزاء كذلك؛ وذلك للأمر بالمضي في الروايات، ((كلما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو))[5]. وهذا ظاهر في الإجزاء عرفاً، فإن العرف يفهم منه أن ما مضى قد مضى.
الرواية التالية تثبت أن الأمر بالمضي يلازمه الإجزاء عرفاً، سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: ((كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فأمضه ولا إعادة عليك فيه))[6].
هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى، أي جريان الاُصول في متعلق التكليف الذي يكون نتيجته الإجزاء قهراً، سواء كان في أصالة الحل أو أصالة الطهارة أو الاستصحاب أو قاعدة الفراغ والتجاوز.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - الوسائل 1: 365، أبواب الوضوء، ب1، ح1.
[2] - الوسائل 3: 466، أبواب النجاسات، ب37.
[3] - الوسائل 15: 369، أبواب جهاد النفس، ب56.
[4] - الوسائل 1: 245، أبواب نواقض الوضوء، ب1، ح1.
[5] - الوسائل 8: 237 ـ 238، أبواب الخلل في الصلاة، ب23، ح3.
[6] - الوسائل 1: 471، أبواب الوضوء، الباب42، ح6.
الدرس اللاحق الدرس السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org