Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة عامة
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: المبحث الثاني: آليات وسبل تبرير التمييز بين الرجل والمرأة في الشهادات

المبحث الثاني: آليات وسبل تبرير التمييز بين الرجل والمرأة في الشهادات

قراءة وتقويم

النظريات المطروحة في الحدود


عرفنا من التقسيمات المذكورة أن شهادة المرأة لا تقبل أساساً ومن رأس في الكثير من موارد الحدود وقوانين العقوبات، ولكي نرفع هذا التمييز ونردّه، لابد لنا من ذكر طريقين:


أ ـ تعطيل الحدود في زمان غيبة المعصوم(عليه السلام)


يقف المحقق الحلي،(12)والعلامة الحلي،(13) على رأس الفريق الذي يعارض إقامة الحدود في عصر الغيبة، يناصرهما في نظريتهما هذه بعض الفقهاء المعاصرين الموقرين مثل الميرزا (المحقق) القمي،(14)والفقيه المعروف الحاج السيد أحمد الخوانساري.(15)


ب ـ جواز إجراء الحدود في عصر الغيبة

يقف الشيخ النجفي صاحب الجواهر على رأس الموافقين على نظرية جواز إجراء الحدود في عصر الغيبة، فهو يعتقد بأنّ مشهور الإمامية على أنّ الأشخاص الواجدين لشروط العدالة والاجتهاد واستنباط الفروع من المصادر الأصلية.. يمكنهم إقامة الحدود الشرعية على أولئك الذين يرتكبون جرائم تستدعي حدوداً;[16] وطبقاً لهذا المبنى في باب الحدود، لابد من شرح وإثبات أنّ عدم الأخذ بشهادة النساء مطلقاً أو القبول بها بشرط ضمّ شهادة الرجال في بعض المواضع، وأن شهادتهنّ تساوي شهادة رجل واحد... أن ذلك كله لا يلغي حقاً من حقوقهنّ، ولا يفرض تمييزاً عليهن; ذلك أنّ عدم التساوي إذا كان سببه كونهنّ نساءً فقد يغدو منطلقاً لإشكال يقول: لقد مورس على المرأة هنا ظلمٌ وتمّ تضييع حقٍّ من حقوقها.

دراسة النظريات المطروحة وتقويمها


أ ـ قراءة في نظرية تعطيل الحدود

لن يكون هناك معنى للحديث عن قبول شهادة النساء وعدم قبولها، على النظرية الأولى القائلة بعدم جواز إقامة الحدود في زمان الغيبة، وإذا وقع هنا إشكال أمكن الجواب حينئذ: إن الإمام(عليه السلام) يعرف أكثر منّا في زمان حضوره كيف يقبل شهادة الشهود، وهو بنفسه سيجيب عن الشبهات الواردة; وعليه، فلا يمكن بأيّ وجه من الوجوه إقامة النظام الجزائي (الحدود) في زمان الغيبة، حتى نضطر إلى الجواب عن التمييز الموجود بين الرجال والنساء في مجال الشهادة، وفي شىء مشابه لهذا الموضوع يتحدّث المحقق الأردبيلي(قدس سره)في موارد من كتاب القضاء والجهاد، ثم يؤيّده، ونشير هنا إلى مثالين منهما، حيث يقول الأردبيلي:


«واعلم أن أكثر مسائل هذا الكتاب (الجهاد) إنما تقع مع حضور الإمام(عليه السلام)، إما متعلّق بنفسه أو بأصحابه، فلا يحتاج إلى العلم به وتحقيقه».(17)


ويقول في ذيل الحديث عن نصب القاضي الفاقد لصفات القضاء من جانب الإمام(عليه السلام):


«نعم، لا شك في جوازه مع الضرورة، على أنّ البحث عن هذه مستغنى عنه; لأنه فعله(عليه السلام)، وهو عالم بما يفعله، وليس لنا التصرّف فيه، والبحث عنه، وهو ظاهر».(18)


ب ـ قراءة في نظرية إقامة الحدود


أما إذا انطلقنا من نظرية إقامة الحدود في عصر الغيبة، وأردنا أن نثبت أنه لم يقع ظلم على النساء في شهادتهنّ ولم يضع هناك حق من حقوقهنّ، فيلزمنا التدقيق في نقطتين هامتين وضروريتين، كي ندلّل على أن عدم القبول بشهادة النساء موافق ـ إلى حدّ ما ـ للاعتبار العقلي.

النقطة الأولى: إن إجراء الحدود والعقوبات من حقوق الله، ومن حق الله تعالى في حقوقه ـ وهو الشارع ـ أن يختار أيّ سبيل لإثبات حقه، وهذا الفعل من الشارع منسجم مع الاعتبار العقلي; ذلك أن الشارع بمنزلة المدّعي وصاحب الحق، والمدّعي صاحب اختيار في أن يجعل أي شخص مكلّفاً منه في استيفاء حقّه، إننا ندرك هذا الأمر بعقلنا القاصر وهو أن المدعي المشرّع يمكنه أن ينصّب أيّ شخص في استيفاء حقه، ولا يمكن إطلاقاً أن نحسب السبل التي يستخدمها المدّعون للوصول بها إلى حقوقهم ظلماً بحق الآخرين، اللهم إلا إذا تصرّفوا بحقوق غيرهم; وعليه ففي شهادات باب الحدود ليس هناك أي تصرّف في حقوق النساء حتى نقول: إنه قد مورس ظلمٌ عليهنّ في هذا المجال.

النقطة الثانية: إن مبدأ قيام الحدود على التخفيف يعدّ من المبادىء المسلّمة المتفق عليها بين الشيعة والسنّة، كما أن قاعدة الدرء(19) التي تسقط الحدود بمجرّد عروض شبهة، تقوم على أساس:
«ادرؤا الحدود بالشبهات»،(20) سيّما في الحدود التي ترجع إلى مكانة الناس وشخصياتهم وسمعتهم; ذلك أنه من الممكن في الحدود العرضية أن تنخدش سمعة الإنسان وعرضه; وعليه فقد راعى الإسلام تمام الجهات سيما في باب الأعراض، فاهتم بسبل الإثبات وطرقه، حتى أنه لو أن واحداً من الشهود الأربعة في حدّ الزنا تأخر في الوصول للشهادة، وكان الثلاثة الآخرون قد سبقوه في الشهادة في المحكمة بحث لم تكن شهادة الرابع متصلةً بشهادة الثلاثة الأول، لزم إقامة الحدّ عليهم ـ أي الثلاثة(21) ـ إن هذا التعزير لهم كان من باب حفظ سمعة الناس وماء وجهها وأقاربها.(22) والملفت أكثر أنّ العلامة الحلي في القواعد،(23) وفخر الدين في الإيضاح(24)ذكر أنه لابد من أن يجتمع الشهود قبل جلسة المحكمة وإقامة الشهادة، وإذا لم يحصل ذلك، وإنما اجتمعوا في جلسة الشهادة، فلابد من حدّهم بسبب الفرية.

الأمر الآخر: إن الشارع وضع شروطاً بالغة الصعوبة لإثبات حدّ الزنا، وهذا ما يجعلنا نستنتج أنه ميّال أكثر لعدم سرعة إجراء الحدود; لأن الإجراء السريع والإثبات اليسير للجرم نوع من إشاعة الفحشاء في المجتمع، ومن الممكن أن يغدو ذلك وسيلةً لتخريب سمعة الناس وتضييع ماء وجهها وكرامتها على يد أشخاص غير منضبطين بالدين و... وعليه، فعدم قبول شهادة المرأة في باب الحدود يمكن تفسيره طبقاً لهذا الكلام، كما قال صاحب الجواهر:


«..وبابتناء الحدود على التخفيف، ودرئها بالشبهات».(24)


وبناءً عليه، فعدم قبول شهادة النساء أو عدم تساوي شهادتهنّ مع شهادة الرجال فيما يؤدي إلى عدم إثبات الجرم أو صعوبة إثباته، إنما هو من جهة التخفيف في العقوبة، والتسهيل في المجازاة; ذلك أن باب الحدود باب خاص، سواء من ناحية طرق الإثبات فيه وكيفيته، أم من ناحية عدم الشهود، وهو بنفسه مراعاة للمصلحة الأهم، ويمكن أن يكون تبريراً مقبولاً لوجود هذا التمييز بين الرجل والمرأة فيها.

السبل المذكورة في غير مجال الحدود


يحتوي هذا البحث على الحديث عن شهادة النساء في حقوق الناس وبعض حقوق الله أيضاً من التي ليس فيها بُعد حدّي (من الحدود)، فشبهة الظلم والتمييز بالنسبة للمرأة تجري في مثل هذه الحقوق، دون أن توافق اعتباراً عقلياً; ذلك أن الحديث هنا عن حقوق الناس، والمدّعي فيها هو الناس أنفسهم، فيلزم أن يكون المدّعي فيها قادراً على إثبات حقه بأي طريقة يريد، وواحد من هذه الطرق هو الاعتماد على شهادة النساء، يضاف إلى ذلك أن التمييز المذكور في بعض الأحكام الإلهية يعدّ ظلماً أيضاً، ومن الواضح أن الظلم في القوانين الإلهية ممنوع، بل مقطوع البطلان.

وانطلاقاً من هذه الشبهة وعدم جريان الأجوبة المتقدمة في باب الحدود هنا; ذكر بعضهم بعض التبريرات لذلك، وأبرزها تبريران:

أ ـ الشهادة تكليف


إن الشهادة تكليفٌ وواجب ومسؤولية; وذلك لأن تحملها واجب، كما أن أداءها واجب أيضاً، وكتمانها حرام، وبناءً عليه، ليس هناك حقّ حتى يكون عدم الأخذ بشهادة النساء موجباً لتضييعه.

يضاف إلى ذلك ـ ثانياً ـ ليس هناك نفع في الشهادة، حتى يضيع هذا النفع بالقول بالتمييز بين الرجل والمرأة فيها، بل إنّ الإسلام، وإرفاقاً بالنساء «فإن المرأة ريحانة وليست قهرمانة»،[26]أسقط هذه المسؤولية عن كاهلهنّ، فهذا الإسقاط لمسؤولية التكليف لطف بالمرأة، لا ظلماً; لأن الشارع أراد أن يقلّ التوجه إلى النساء في الدعاوى، ليستحكم بناء الأسرة بعدم أخذهنّ قدر الإمكان إلى المحكمة.

ب ـ تنوّع الشهادة


الشهادة نوعان هما:


1 ـ الشهادة في الفقه الإسلامي.

2 ـ الشهادة في المحاكم الدنيوية.

فطبقاً لهذا التقسيم، يظهر أن الشبهة الثانية لا تصدف في النوع الثاني، ذلك أن الشهادة في النوع الثاني ـ وهي الشهادة في الدنيا ـ لا فرق فيها عندنا بين الرجل والمرأة; فهذه الشهادة في الدنيا هي من نوع الأمارة والشاهد والقرينة على أمر خارجي، لا من إحدى الجهتين (البيّنة ـ القَسَم) وموضوعية الشهادة.

دراسة السبل المذكورة


مع التأمل في هذين الجوابين يمكن تسجيل عدة مناقشات على كل واحد منهما، ذلك أن الجواب الثاني خروج عن موضوع البحث، ومؤيّد للإشكال، وتغييرٌ لصورة القضية، وليس هو في واقعه جواباً، أما الجواب الأول فمن الواضح أنه لا يرفع التمييز في قيمة الشهادة; ذلك أنّ العرف يرى ذلك تمييزاً بين الجنسين حتى مع فرض كونه مسؤولية، مضافاً إلى ذلك أنه لو حصلت حالة احتاجت إلى شهادة شخصين، ولم يكن عند المدّعي سوى امرأتين أو امرأة ورجل واحد، فإنّ الحكم بعدم قبول شهادة المرأة الواحدة في مكان الرجل الواحد ظلمٌ في حق المدعي وموجب لتضييع حقّه.

وعليه، لابد لنا من التفتيش عن حلول لهذه الشبهة، وهو أمر منوط بممارسة بحث فقهي، مستخدمين منهج إعادة النظر في المصادر الفقهية ومعتمدين على منهج الفقه الجواهري وموازين السلف الصالح ـ وهي الكتاب والسنّة ـ لنرى هل هناك مجال وموضع لهذا الإشكال في غير باب الحدود أم لا؟ بمعنى أن ندرس هل لهذا الحكم وجود أساساً، كي يأتي شخص ويشكل عليه، من باب «ثبّت العرش ثم انقش».

وبعبارة أخرى، لابد لنا من البحث في أن ما يقوله الفقه من عدم القبول بشهادة النساء مطلقاً أو الحكم بعد تساويهنّ مع الرجال، هل كان على أساس كون المرأة امرأة أم لأسباب وخصوصيات؟ وإذا كان الأمر لخصوصيات فهل يمكن رفعها مما يوجب ارتفاع الحكم أم أن هذه الخصوصيات عارضة على الرجال أيضاً مما يوجب عدم قبول شهادتهم أو نقول بأن شهادة اثنين من الرجال تساوي شهادة شاهد كامل أم لا؟

ومع الأخذ بعين الاعتبار ما ذكر، سنرى في المباحث القادمة وهذه هي دعوانا، عدم وجود موضع في الفقه يحكم بالتمييز بين شهادة الرجل والمرأة على أساس كونها أنثى، وإنما بسبب الخصوصيات المشتركة بين الطرفين، حيث يتبع الحكم تلك الخصوصيات من حيث الوجود والعدم، ولا علاقة لكون المرأة امرأةً بهذا التمييز.
_______________________________________
(12) المختصر النافع في فقه الإمامية: 192.
(13) تذكرة الفقهاء 9 : 445، مسألة: 265.
(14) جامع الشتات 2: 713، حيث يقول: «ذكر أن إثبات حدّ الزنا واللواط لا بدّ ـ كما قرّر في محلّه ـ أن يكون بأربعة إقرارات أو أربعة شهود، كما فصّل في محلّه من كتب العلماء، وحيث لا نقول بإجراء الحدود في زمان غيبة الإمام(عليه السلام)ونتوقف فيه، فلا ثمرة حينئذ لهذا البيان; إلا أن حاكم الشرع ـ أي المجتهد العادل ـ ربما أمكنه بمقتضى حاله أن يقوم بالتعزير; والأفضل أن يتوب الجاني ويسقط صاحب الحق حقه ويعفو، حتى يسقط الحدّ; لأنه من حقوق الناس».
(15) جامع المدارك 5: 407.
(16) جواهر الكلام 21: 394.
(17) مجمع الفائدة والبرهان 7: 437.
(18) المصدر نفسه 12: 24.
(19) الجدير ذكره أن قاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات» قاعدة إجماعية، ولا خلاف فيها، كما يقول صاحب الجواهر في الحديث عن حدّ السرقة: «كما لا خلاف ولا إشكال في درئه بالشبهة، كغيره من الحدود»، فانظر: جواهر الكلام 41: 481.
(20) وسائل الشيعة 28: 47، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، باب 24، ح4.
(21) المصدر نفسه 28: 96 ـ 97، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا، باب 12، ح8، 9.
(22) رغم أن الفقهاء يعتبرون هذا الحد بتهمة القذف (جواهر الكلام 41: 304)، إلا أن سماحة آية الله العظمى الصانعي، يرى أنه حدّ قائم على المصلحة بهدف الحفاظ والحيلولة دون تعرّض مكانات الأشخاص وسمعتهم للأذية، ولا دليل عرفاً ولا شرعاً ولا عقلاً ولا عقلائياً على أنه من باب الافتراء، كما أن ذلك غير موجود في الروايات لكن من حيث إن الشهادة ليست ظلماً ولا افتراءً، فلا يمكن جعل حدّ لها (تقريرات درس الصانعي)، والشاهد على صحة كلام الأستاذ أن صاحب الجواهر (جواهر الكلام 41: 298) ذكر في حكم جلد الشهود إذا كانوا أقل من أربعة أنه وإن أمكن كونهم صادقين، إلا أن الشارع سبحانه اعتبرهم كاذبين (النور: 12) وعليه، فليس الواقع هو معيار الصدق والكذب، وإنما المصلحة وسمعة الناس ومكانتها.
(23) قواعد الأحكام 3: 525.
(24) إيضاح الفوائد 4: 475.
(25) جواهر الكلام 41: 157.
(26) وسائل الشيعة 20: 168، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، باب جملة من آداب عشرة النساء، ح1.
العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org