Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: المستند الحديثي لنظرية البلوغ بالتسع

المستند الحديثي لنظرية البلوغ بالتسع أ ـ المستند الحديثي لنظرية البلوغ بالتسع

ثمة طائفتان من الروايات استند إليهما المشهور في نظريتهم في بلوغ الأنثى:

إحداهما الروايات الدالّة على خروج البنات عن حدّ الطفولة في سنّ التسع، وجريان الحدود الإلهية عليهنّ في هذا السنّ، وثانيهما الروايات الدالّة على جواز النكاح والمقاربة لهنّ في هذا السنّ.

ونحاول الآن نقل هذه الروايات وبيان دلالتها ونقدها.

الطائفة الأولى: روايات خروج البنات عن حدّ الطفولة في سنّ التسع

وهي عدة روايات:

1 ـ عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبدالعزيز العبدي، عن حمزة بن حمران، عن حمران، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)... قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة، وتؤخذ بها ويؤخذ لها؟ قال: «إن الجارية ليست مثل الغلام، إنّ الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم، ودفع لها مالها،وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها الحدود التامّة، وأخذ لها وبها»(1).

2 ـ وعنه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن يزيد الكناسي، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام):... أفتقام عليها الحدود وتؤخذ بها، وهي في تلك الحال إنما لها تسع سنين ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: «نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وأقيمت الحدود التامة عليها ولها»(2).

3 ـ وبإسناده، عن الحسن بن سماعة، عن آدم بياع اللؤلؤ، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك; وذلك أنها تحيض لتسع سنين»(3).

4 ـ محمد بن علي بن الحسين، قال: وقال أبو عبدالله(عليه السلام): «إذا بلغت الجارية تسع سنين، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأقيمت الحدود التامّة لها وعليها»(4).

5 ـ وفي الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «حدّ بلوغ المرأة تسع سنين»(5).

وفي إطار الجواب عن هذه المجموعة من الروايات، لا بد من القول:
أولاً: لقد جعلت السنوات التسع في الحديثين: الأول والثاني مقيدةً بقابلية الزواج، فكانت كذلك ملاكاً للتكليف، لا أنّ السنوات التسع بمفردها هي موضوع التكليف، وإنما البنت التي بلغت التسع و«تزوّجت» أو «دخلت على زوجها».

ومجيء هذا القيد في كلمات الإمام(عليه السلام) علامة على أن التسع ليست لوحدها علامةً على البلوغ، وإنما هي مقيّدة بالدخول والتزويج، ومعنى ذلك أنها قد بلغت مبلغاً من الرشد البدني بحيث يمكنها الزواج.

وعليه، فنحن لا نقول بعدم وجود دليل على كفاية السنوات التسع في بلوغ البنت فحسب، بل نرى أن الدليل والحجّة قاما على خلاف ذلك، وكأن النصوص تشير ـ تقريباً ـ إلى لزوم أن تكون البنت قويةً على صعيد النمو الجسدي بحيث تكون قد بلغت مبلغ النساء، ممّا يفرض ـ طبيعةً ـ وجود سائر العلامات الأخرى للبلوغ كنبات شعر العانة أو الحيض.

نعم، في الرواية الثانية كان السؤال مركَّزاً على حالة ما إذا لم يكن هناك حيض، إلاّ أنه مع ذلك لامنافاة فيها مع الطبع والحالة الغالبة، والسائل وجَّه فيها السؤال عن مورد نادر، إضافةً إلى أنّ مورد السؤال يحتوي ـ بحسب الطبع ـ وجود العلامة الأخرى وهي نبات الشعر حول العانة.

وفي الحقيقة، فإن السنوات التسع قد جعلت علامةً على البلوغ مقيدةً بهذه القيود، ومثل هذا العنوان المقيّد يغدو عنواناً مشيراً لا موضوعياً; وذلك أنه لا يقول أحد بدخالة البلوغ السنّي مع تقييده بالزواج.

ثانياً: لقد ورد في الحديث الثالث تعليل المسألة بـ«ذلك أنها تحيض»، ومعناه أنّ البنت تبلغ بالتسع لأنها ترى الحيض، فإذا لم تر الحيض فإنها لن تكون بالغةً بحكم العلّية، والعلّة تخصّص وتعمّم، كما أن الحكم في السعة والضيق يدور مدار علته سعةً وضيقاً، فيكون بلوغ البنت منوطاً برؤية الحيض، وهذا التخصيص إنما حكمت به العلّية في تمام الروايات حين جعلت هذه الروايات التسعَ علامة البلوغ، ومن الواضح أنّ المعلول لا ينفصل ولا ينفك عن علّته.

ثالثاً: على تقدير القبول والتسليم بأن التسع سنوات قد وردت في الحديثين المتبقيين على نحو الإطلاق، بحيث كانت بنفسها موضوعاً للتكليف، إلاّ أنها سوف تغدو مقيّدةً بالقيدين الواردين في الروايات الثلاث الأولى، ومعنى ذلك أن البنات البالغات تسع سنوات سوف يصلن سنّ التكليف على تقدير قابليتهنّ للزواج أو رؤيتهنّ للحيض.

رابعاً: إن الروايتين اللتين لا تشتملان على قيدي: الحيض والزواج، يمكن الخدش في دلالتهما، بقطع النظر عن مسألة تقيّد إطلاقهما بالروايات الأخرى، فهما من ناحية الدلالة غير تامتين; وذلك أن «تسع سنوات» في الحديث الرابع، وهو مرسلة الصدوق، لم تجعل لوحدها موضوعاً لإقامة الحدود الكاملة، مما يشي بالدلالة على البلوغ، وإنما ذكر فيه قيد دفع الأموال إليها، ونفوذ أعمالها، وهما ملازمان للرشد، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)(النساء: 6)، وهذا الرشد إنما يظهر عادةً في السنوات اللاحقة على التسع، ويكون مصاحباً لاتخاذ قرارات نسوية لا طفولية، وهو ما يجعله يرافق بلوغ الحلم ورؤية الحيض، وكذلك سائر علامات البلوغ.

وكذلك الحال في الحديث الخامس، وهو مرسلة ابن أبي عمير، حيث لا يدلّ على أزيد من أنّ بعض البنات يكون علامة البلوغ بالنسبة لديهنّ هي السنوات التسع، وليس ذلك لديهنّ جميعاً; وذلك أنه جعل الحدّ بلوغ التسع الظاهر في بيان الحدّ الأقلّ للسنّ، وذلك أنه في غير هذه الصورة لا يوجد حدّ، وإنما أمارة وعلامة.

وخلاصة القول: إن الروايات الخمس ـ وبقطع النظر عن ضعف عبدالعزيز العبدي الوارد في سند الرواية الأولى، وجهالة يزيد الكناسي الوارد في الرواية الثانية، وإرسال الرواية الرابعة والخامسة ـ لا دلالة فيها أصلاً على بلوغ البنات في سنّ التسع بشكل مطلق، غايته أنها تجعل التسع موضوعاً للبلوغ مع تقييدها بقيد قابلية الزواج أو الحيض أو الرشد والنمو أو بيان الحدّ الأقل للسنّ.

من هنا، لا يتم ما قاله المشهور هنا بالاعتماد على هذه الروايات.

الطائفة الثانية: نصوص جواز النكاح والمقاربة مع بنات التسع

وهذه الروايات هي:

1 ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعاً، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «إذا تزوّج الرجل الجارية وهي صغيرة فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين»(6).

2 ـ وعن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن صفوان بن يحيى، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لا يُدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين»(7).

3 ـ قال الكليني: وعنه، عن زكريا المؤمن أو بينه وبينه رجل لا أعلمه إلاّ حدثني عن عمار السجستاني، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول لمولى له: انطلق فقل للقاضي: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حدّ المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين»(8).

4 ـ وبإسناده، عن محمد بن خالد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «من وطأ امرأته قبل تسع سنين فأصابها عيب، فهو ضامن»(9).

5 ـ محمد بن علي بن الحسين، بإسناده عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله(عليه السلام): «إن من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن»(10).

6 ـ وبإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن حمران، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: سئل عن رجل تزوّج جاريةً بكراً لم تدرك، فلمّا دخل بها افتضّها فأفضاها؟ فقال: «إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فافتضّها فإنه قد أفسدها وعطّلها على الأزواج، فعلى الإمام أن يغرم ديتها»(11).

إنّ دلالة هذه المجموعة من الروايات يكون عبر ضمّ الإجماع على عدم جواز المقاربة قبل البلوغ، وبعبارة أخرى: الجماع قبل البلوغ حرام، وهذه الروايات تدلّ على جواز الجماع فى سنّ التاسعة، فتكون النتيجة ـ بضمّ الإجماع المذكور ـ أن سنّ التاسعة هو سنّ البلوغ عند الفتيات.

لكن ولدى دراسة هذه المجموعة من الروايات، نلاحظ جملة ملاحظات:

أولاً: تدل صحيحة الحلبي وموثقة زرارة (الرواية الأولى والثانية) على أن المقاربة قبل التسع سنوات غير جائزة، فتدلّ بالمفهوم على الجواز في سنّ التاسعة، إلاّ أنه قد ثبت في بحث المفاهيم ـ كما يذهب إليه الإمام الخميني(رضي الله عنه) ـ أنه لا يحكم في بابها بالإطلاق، فلا يمكن التمسّك عبرها بإطلاق، إلاّ إذا أحرز أن المتكلّم في مقام البيان، وكونه في مقام بيان المفهوم يحتاج إلى قرينة وشاهد خاصّين، ذلك أنّ ما يمكن القبول به في باب المفاهيم هو أصل وجود مفهوم للجملة في مقابل عدمه، إلاّ أنه لا دليل على كون المتكلّم في مقام بيان المفهوم حتى يمكن التمسّك بإطلاقه.

وبعبارة أخرى، يستفيد العرف من وجود الشرط أو الوصف في الجملة أنهما دخيلان في الحكم المذكور في المنطوق، وأنّ هذا الحكم قيّد بهما، ومع انعدام القيود ينعدم حكم المنطوق، أما كيف يكون الحال مع عدم وجودهما؟ هل هو كلّي وعام أم لا؟ فلا يمكن استفادته من أصل ذكر الكلام، بل يتطلّب دليلاً خاصاً، وهذا هو معنى ما نقول من أن إطلاق المفهوم يستدعي إحراز كون المتكلم في مقام بيان المفهوم، وهو ما يرتبط بالشاهد الخاص أو القرينة كذلك.

ثانياً: على فرض أنّ للمفهوم إطلاقاً، إلاّ أنه يقيّد بالروايات الاُخرى، أي تلك الروايات التي ترى أن سنّ البلوغ هو التسع مع قابلية الزواج أو مع حصول الحيض والنموّ والرشد، ونتيجة ذلك أن نشرط جواز الجماع ببلوغ التسع مع قيد الاستعداد للزواج أو قيد الحيض، لا أن يكون سنّ البلوغ صرف بلوغ التسع بلا قيد.

ثالثاً: أنّ عمدة الإشكال في هذه المجموعة من الروايات، هو أن صحيحة حمران ذكرت علّةً لعدم جواز مقاربة الزوج ولزوم دفع الدية، وهي إفساد المرأة وحرمانها من الأزواج، ومن المعلوم بشكل عام أن حرمة المقاربة وجوازها قبل التسع وبعدها دائران مدار هذه العلة وجوداً وعدماً، ومعنى ذلك أن السنوات التسع ليست لوحدها وبصورة مستقلّة موضوعاً لجواز المقاربة حتى تكون علامةً على بلوغ الفتيات.

وعليه، فهذه الصحيحة، وبسبب لسان التعليل الذي فيها، إذا لم تكن حاكمةً على سائر الروايات، فلا أقلّ من أنّها مخصِّصة لها ومقيِّدة، وإضافةً إلى ذلك، يفهم العرف من هذه الروايات ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ موضوعيةَ الفساد وأذية المرأة والإضرار بها، كما أنه يفهم أيضاً أن بلوغ التسع لا يمثل في حدّ نفسه موضوعاً لجواز المقاربة حتى لو انجرّ ذلك إلى الفساد في المرأة، فالعرف ـ إذاً ـ يفهم من هذه الأحاديث أيضاً تلك العلّية المشار إليها.


وإلى جانب هذا الفهم العرفي في استظهار العلّية، تدلّ رواية أبي أيوب الخزاز بوضوح على أنّ المناط والمعيار والموضوع لجواز الدخول في المرأة بعد سنّ التاسعة وعدم جواز ذلك قبله هو النموّ البدني، وبلوغ البنت مبلغ المرأة، وقابليتها للمقاربة والجماع أو عدم ذلك.

فعن أبي أيوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر: متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة..»(12).

وخلاصة القول: إن التسع سنوات ليست لوحدها ملاكاً لجواز المقاربة، وإنما كانت كذلك من حيث كونها زمان قابلية الحيض للبنات.

وإذا أشكل بأنه على تقدير كون الملاك هو جواز المقاربة لا بلوغ التسع يلزم لغوية التفصيل بين ما قبل تسع سنوات وما بعدها، فإننا في مقام الجواب نقول: إن هذا التفصيل إنما كان لأجل عدم وجود أيّ إمكانية للحيض عند البنات قبل التسع، أما بعدها فتظهر هذه الإمكانية بالنسبة إلى بعضهنّ; من هنا جاء هذا التفصيل في الروايات.

وإذا قيل: إنّ روايات التسع سنوات تدلّ على جواز الإضرار بالبنات البالغات سنّ التسع عن طريق الزواج وإفسادهنّ; وذلك أن هذه الروايات تخصِّص أدلّة حرمة الإضرار والإيقاع في الحرج.

قلنا: إن أدلّة حرمة الإضرار والحرج ليست قابلةً للتخصيص، فهذا التخصيص مخالفٌ للأصول المسلّمة.

وبناءً عليه، يجب حمل روايات التسع سنوات على البنات اللواتي لديهنّ قابلية الزواج، وهذا ما يُسقط السنّ عن الموضوعية.

وإذا ما رفض أحدٌ مثل هذا الحمل للروايات، فلا بدّ له من طرحها جانباً; وذلك أنها مخالفة للكتاب والسنّة والأصول والقواعد المسلّمة.

والنتيجة أن روايات الطائفة الثانية لا تدلّ ـ أيضاً ـ على بلوغ البنت في سنّ التسع سنوات بصورة مطلقة.
__________________________________________
(1) وسائل الشيعة 1: 43، ب4، ح2.
(2) المصدر نفسه 20: 278، ب6، ح9.
(3) المصدر نفسه 19: 365، ب44، ح12.
(4) المصدر نفسه: 367، ب45، ح4.
(5) المصدر نفسه 20: 104، ب45، ح10.
(6) وسائل الشيعة 20: 101، الباب 45، ح1.
(7) المصدر نفسه، ح2.
(8) المصدر نفسه: 102، ح3.
(9) المصدر نفسه: 103، ح5.
(10) المصدر نفسه، ح8.
(11) المصدر نفسه، ح9.
(12) المصدر نفسه 27: 344، الباب 22، ح3.
العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org