Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة دينية
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: كتاب الوديعة

كتاب الوديعة كتاب الوديعة

وهي عقد يفيد استنابة في الحفظ، أو هي استنابة فيه. وبعبارة اُخرى: هي وضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه.
وتطلق كثيراً على المال الموضوع، ويقال لصاحب المال: المودِع، ولذلك الغير: الودعي والمستودع. وتحتاج إلى الإيجاب، وهو كلّ لفظ دالّ على تلك الاستنابة، كأن يقول: «أودعتك هذا المال»، أو «احفظه»، أو «هو وديعة عندك»، ونحو ذلك، والقبول الدالّ على الرضا بالنيابة في الحفظ. ولا يعتبر فيه العربية، بل يقع بكلّ لغة. ويجوز أن يكون الإيجاب باللفظ، والقبول بالفعل، بأن تسلم بعد الإيجاب لذلك، بل تصحّ بالمعاطاة بأن يسلّمه للحفظ، وتسلّم لذلك.

(مسألة 1): لو طرح ثوباً مثلاً عند أحد، وقال: هذا وديعة عندك، فإن قبلها بالقول أو الفعل الدالّ عليه صار وديعة، وفي تحقّقها بالسكوت الدالّ على الرضا إشكال. ولو لم يقبلها لم يصر وديعة، حتّى فيما إذا طرحه عنده بهذا القصد وذهب وتركه عنده، وليس عليه ضمان حينئذ، وإن كان الأحوط القيام بحفظه مع الإمكان.

(مسألة 2): إنّما يجوز قبول الوديعة لمن كان قادراً على حفظها، فمن كان عاجزاً لم يجز له قبولها على الأحوط([1011])، إلاّ إذا كان المودِع أعجز منه في الحفظ مع عدم مستودع آخر قادر عليه، فإنّ الجواز في هذه الصورة غير بعيد، خصوصاً مع التفات المودع.

(مسألة 3): الوديعة جائزة من الطرفين، فللمالك استرداد ماله متى شاء، وللمستودع ردّه كذلك، وليس للمودع الامتناع من قبوله. ولو فسخها المستودع عند نفسه انفسخت وزالت الأمانة المالكيّة، وصار عنده أمانة شرعيّة، فيجب عليه ردّه إلى مالكه أو من يقوم مقامه، أو إعلامه بالفسخ، فلو أهمل لا لعذر شرعيّ أو عقليّ ضمن.

(مسألة 4): يعتبر في كلّ من المستودع والمودع البلوغ والعقل، فلا يصحّ استيداع الصبي ولا المجنون، وكذا إيداعهما، من غير فرق بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين، بل لا يجوز وضع اليد على ما أودعاه، ولو أخذه منهما ضمنه ولا يبرأ بردّه إليهما، وإنّما يبرأ بإيصاله إلى وليّهما. نعم لا بأس بأخذه إذا خيف هلاكه وتلفه في يدهما، فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ، ولكن لا يصير بذلك وديعة وأمانة مالكيّة، بل تكون أمانة شرعيّة، يجب عليه حفظها والمبادرة إلى إيصالها إلى وليّهما أو إعلامه بكونها عنده، وليس عليه ضمان لو تلفت في يده.

(مسألة 5): لو أرسل شخص كامل مالاً ـ بواسطة الصبي أو المجنون ـ إلى شخص ليكون وديعة عنده، وأخذه منه بهذا العنوان، فالظاهر صيرورته وديعة عنده ; لكونهما بمنزلة الآلة للكامل.

(مسألة 6): لو أودع عند الصبي والمجنون مالاً لم يضمناه بالتلف، بل بالإتلاف ـ أيضاً ـ إذا لم يكونا مميّزين، وإن كانا مميّزين صالحين للاستئمان، لا يبعد ضمانهما مع التلف مع تفريطهما في الحفظ، فضلاً عن الإتلاف.

(مسألة 7): يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به، ووضعها في الحرز الذي يناسبها، كالصندوق المقفل للثوب والدراهم والحليّ ونحوها، والإصطبل المضبوط بالغلق للدابّة، والمراح كذلك للشاة. وبالجملة: حفظها في محلّ لا يُعدّ معه ـ عند العرف ـ مضيّعاً ومفرّطاً وخائناً، حتّى فيما إذا علم المودِع بعدم وجود حرز لها عند المستودع، فيجب عليه بعد القبول تحصيله مقدّمة للحفظ الواجب عليه. وكذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في صونها من التعيّب أو التلف، كالثوب ينشره في الصيف إذا كان من الصوف أو الإبريسم، والدابّة يعلفها ويسقيها ويقيها من الحرّ والبرد، فلو أهمل عن ذلك ضمنها.

(مسألة 8): لو عيّن المودع موضعاً خاصّاً لحفظ الوديعة وفهم منه القيديّة([1012]) اقتصر عليه، ولا يجوز نقلها إلى غيره بعد وضعها فيه وإن كان أحفظ، فلو نقلها منه ضمنها. نعم لو كانت في ذلك المحلّ في معرض التلف، جاز نقلها إلى مكان آخر أحفظ، ولا ضمان عليه حتّى مع نهي المالك، بأن قال: لا تنقلها وإن تلفت، وإن كان الأحوط حينئذ مراجعة الحاكم مع الإمكان.

(مسألة 9): لو تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعدّ منه ولا تفريط لم يضمنها. وكذا لو أخذها منه ظالم قهراً، سواء انتزعها من يده، أو أمره بدفعها له بنفسه فدفعها كرهاً. نعم يقوى الضمان لو كان هو السبب لذلك، ولو من جهة إخباره بها، أو إظهارها في محلٍّ كان مظنّة الوصول إلى الظالم، فحينئذ لا يبعد انقلاب يده إلى يد الضمان، سواء وصل إليها الظالم أم لا.

(مسألة 10): لو تمكّن من دفع الظالم بالوسائل الموجبة لسلامة الوديعة وجب، حتّى أنّه لو توقّف دفعه على إنكارها كاذباً بل الحلف عليه، جاز بل وجب، فإن لم يفعل ضمن. وفي وجوب التورية عليه مع الإمكان إشكال، أحوطه ذلك، وأقواه العدم.

(مسألة 11): إن كانت مدافعته عن الظالم مؤدّية إلى الضرر على بدنه من جرح وغيره، أو هتك في عرضه، أو خسارة في ماله، لا يجب تحمّله، بل لا يجوز في غير الأخير، بل فيه ـ أيضاً ـ ببعض مراتبه. نعم لو كان ما يترتّب عليها يسيراً جدّاً بحيث يتحمّله غالب الناس ـ كما إذا تكلّم معه بكلام خشن، لا يكون هاتكاً له بالنظر إلى شرفه ورفعة قدره وإن تأذّى منه بالطبع ـ فالظاهر وجوب تحمّله.

(مسألة 12): لو توقّف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مال له أو لغيره، فإن كان بدفع بعضها وجب، فلو أهمل وأخذ الظالم كلّها، ضمن المقدار الزائد على ما يندفع به منها، لا تمامها، فلو يندفع بالنصف ضمن النصف، أو بالثلث ضمن الثلثين وهكذا. وكذا الحال فيما إذا كان عنده من شخص وديعتان وكان الظالم يندفع بدفع إحداهما فأهمل حتّى أخذ كلتيهما، فإن كان يندفع بإحداهما المعيّنة ضمن الاُخرى، وإن كان بإحداهما لا بعينها ضمن أكثرهما قيمة. ولو توقّف دفعه على المصانعة معه بدفع مال من المستودع لم يجب عليه الدفع تبرّعاً ومجّاناً، وأمّا مع قصد الرجوع به على المالك، فإن أمكن الاستئذان منه أو ممّن يقوم مقامه ـ كالحاكم عند عدم الوصول إليه ـ لزم، فإن دفع بلا استئذان لم يستحقّ الرجوع به عليه، وإن لم يمكن الاستئذان وجب عليه على الأحوط([1013]) أن يدفع، وله أن يرجع على المالك بعدما كان قصده ذلك.

(مسألة 13): لو كانت الوديعة دابّة يجب عليه سقيها وعلفها ولو لم يأمره المالك، بل ولو نهاه، أو ردّها إلى مالكها أو القائم مقامه، ولا يجب أن يكون السقي ونحوه بمباشرته، ولا أن يكون ذلك في محلّها، فيجوز التسبيب لذلك، وكذا يجوز إخراجها من منزله لذلك، وإن أمكن حصوله في محلّها بعد جريان العادة بذلك. نعم لو كان الطريق مثلاً مخوفاً لم يجز إخراجها. كما أنّه لا يجوز أن يُولّي غيره لذلك إذا كان غير مأمون، إلاّ مع مصاحبته أو مصاحبة أمين معه. وبالجملة: لابدّ من مراعاة حفظها على المعتاد، بحيث لا يُعدّ معها عرفاً مفرّطاً ومتعدّياً. هذا بالنسبة إلى أصل سقيها وعلفها. وأمّا بالنسبة إلى نفقتها فإن وضع المالك عنده عينها أو قيمتها، أو أذن له في الإنفاق عليها من ماله على ذمته، فلا إشكال. وإلاّ فالواجب أوّلاً الاستئذان من المالك أو وكيله، فإن تعذّر رفع الأمر إلى الحاكم ; ليأمره بما يراه صلاحاً ولو ببيع بعضها للنفقة، فإن تعذّر الحاكم أنفق هو من ماله، وأشهد عليه على الأولى الأحوط، ويرجع على المالك مع نيّته.

(مسألة 14): تبطل الوديعة بموت كلّ واحد من المودع والمستودع أو جنونه، فإن كان هو المودع تكون الوديعة في يد الودعيّ أمانة شرعيّة، فيجب عليه فوراً ردّها إلى وارث المودِع أو وليّه أو إعلامهما بها، فإن أهمل لا لعذر شرعيّ ضمن. نعم لو كان ذلك لعدم العلم بكون من يدّعي الإرث وارثاً، أو انحصار الوارث فيمن علم كونه وارثاً، فأخّر الردّ والإعلام للتروّي والفحص، لم يكن عليه ضمان على الأقوى، وإن كان الوارث متعدّداً سلّمها إلى الكلّ أو إلى من يقوم مقامهم. ولو سلّمها إلى بعض من غير إذن ضمن حصص الباقين. وإن كان هو المستودع تكون أمانة شرعيّة في يد وارثه أو وليّه، على فرض كونها تحت يدهما، ويجب عليهما الردّ إلى المودِع أو من يقوم مقامه أو إعلامه فوراً.

(مسألة 15): يجب ردّ الوديعة عند المطالبة في أوّل وقت الإمكان، وإن كان المودع كافراً محترم المال، بل وإن كان حربيّاً مباح المال على الأحوط([1014]). والذي هو الواجب عليه رفع يده عنها والتخلية بينها وبين المالك، لا نقلها إليه. فلو كانت في صندوق مقفل أو بيت مغلق، ففتحهما عليه، فقال: خُذ وديعتك، فقد أدّى ما هو تكليفه وخرج من عهدته. كما أنّ الواجب عليه مع الإمكان الفوريّة العرفيّة، فلا يجب عليه الركض ونحوه، والخروج من الحمّام مثلاً فوراً، وقطع الطعام والصلاة وإن كانت نافلة ونحو ذلك. وهل يجوز له التأخير ليشهد عليه ؟ قولان، أقواهما ذلك إذا كان الإشهاد غير موجب للتأخير الكثير، وإلاّ فلايجوز، خصوصاً لو كان الإيداع بلا إشهاد. هذا إذا لم يرخّص في التأخير وعدم الإسراع والتعجيل، وإلاّ فلا إشكال في عدم وجوب المبادرة.

(مسألة 16): لو أودع اللصّ ما سرقه عند شخص، لا يجوز له ردّه إليه مع الإمكان، بل يكون أمانة شرعيّة في يده، فيجب عليه إيصاله إلى صاحبه إن عرفه، وإلاّ عرّف سنة، فإن لم يجد صاحبه فلا يترك الاحتياط بالتصدّق به عنه([1015])، فإن جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار أجر الصدقة كان له، وإن اختار الغرامة غرم له، وكان الأجر للغارم، وإن لا يبعد جريان حكم اللقطة عليه([1016]).

(مسألة 17): كما يجب ردّ الوديعة عند مطالبة المالك، يجب ردّها إذا خاف عليها من تلف أو سرق أو حرق ونحو ذلك، فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاصّ أو العامّ تعيّن، وإلاّ فليوصلها إلى الحاكم لو كان قادراً على حفظها، ولو فقد الحاكم أو كانت عنده أيضاً في معرض التلف، أودعها عند ثقة أمين متمكّن من حفظها.

(مسألة 18): إذا ظهرت للمستودع أمارة الموت ـ بسبب المرض أو غيره ـ يجب عليه ردّها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان، وإلاّ فإلى الحاكم، ومع فقده يوصي ويشهد بها، فلو أهمل عن ذلك ضمن، وليكن الإيصاء والإشهاد بنحو يترتّب عليهما حفظها لصاحبها، فلابدّ من ذكر الجنس والوصف وتعيين المكان والمالك، فلا يكفي قوله: عندي وديعة لشخص. نعم يقوى عدم لزومهما رأساً فيما إذا كان الوارث مطّلعاً عليها، وكان ثقة أميناً.

(مسألة 19): يجوز للمستودع أن يسافر، ويبقي الوديعة في حرزها السابق عند أهله وعياله ; لو لم يكن السفر ضروريّاً، إذا لم يتوقّف حفظها على حضوره، وإلاّ فعليه إمّا ترك السفر، وإمّا ردّها إلى مالكها أو وكيله، ومع التعذّر إلى الحاكم، ومع فقده فالظاهر تعيّن الإقامة وترك السفر، ولا يجوز أن يسافر بها على الأحوط([1017])، ولو مع أمن الطريق ومساواة السفر للحضر في الحفظ. ولو قيل باختلاف الودائع فيجوز في بعضها([1018]) السفر بها لكان حسناً ([1019])، لكن لا يترك الاحتياط مطلقاً، والأقوى عدم جواز إيداعها عند الأمين. وأمّا لو كان السفر ضروريّاً له، فإن تعذّر ردّها إلى المالك أو وكيله أو الحاكم تعيّن إيداعها عند الأمين، فإن تعذّر سافر بها محافظاً لها بقدر الإمكان، وليس عليه ضمان. نعم في مثل الأسفار الطويلة الكثيرة الخطر، اللازم أن يعامل فيه معاملة من ظهر له أمارة الموت على ما سبق تفصيله.

(مسألة 20): المستودَع أمين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة أو تعيّبت بيده، إلاّ عند التفريط والتعدّي، كما هو الحال في كلّ أمين. أمّا التفريط فهو الإهمال في محافظتها، وترك ما يوجب حفظها على مجرى العادة، بحيث يُعدّ معه عند العرف مضيّعاً ومسامحاً، كما إذا طرحها في محلّ ليس بحرز وذهب عنها غير مراقب لها، أو ترك سقي الدابّة وعلفها، أو نشر ثوب الصوف والإبريسم في الصيف، أو أودعها، أو ترك تحفّظها من النداوة فيما تفسدها النداوة كالكتب وبعض الأقمشة، أو سافر بها. نعم في كون مطلق السفر والسفر بمطلقها من التفريط منع. وأمّا التعدّي فهو أن يتصرّف فيها بما لم يأذن له المالك، مثل أن يلبس الثوب، أو يفرش الفراش، أو يركب الدابّة إذا لم يتوقّف حفظها على التصرّف، كما إذا توقّف حفظ الثوب والفراش من الدود على اللبس والافتراش، أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الأمانة، وتكون يده عليها على وجه الخيانة، كما إذا جحدها، لا لمصلحة الوديعة، ولا لعذر من نسيان ونحوه. وقد يجتمع التفريط مع التعدّي، كما إذا طرح الثوب والقماش والكتب ونحوها في موضع يفسدها، ولعلّ من ذلك ما إذا أودعه دراهم مثلاً في كيس مختوم أو مخيط أو مشدود، فكسر ختمه أو حلّ خيطه وشدّه من دون ضرورة ومصلحة. ومن التعدّي خلطها بماله، سواء كان بالجنس أو بغيره، وسواء كان بالمساوي أو بالأجود أو بالأردأ، ولو مزجها بالجنس من مال المودع، كما إذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين ولا مشدودين، فجعلهما كيساً واحداً، فالظاهر كونه تعدّياً مع احتمال تعلّق غرضه بانفصالهما، فضلاً عن إحرازه.

(مسألة 21): المراد بكونها مضمونة بالتفريط والتعدّي: أنّ ضمانها عليه لو تلفت ولو لم يكن مستنداً إلى تفريطه وتعدّيه. وبعبارة اُخرى: تنقلب يده الأمانيّة غير الضمانيّة إلى الخيانيّة الضمانيّة.

(مسألة 22): لو نوى التصرّف ولم يتصرّف فيها لم يضمن. نعم لو نوى الغصب، بأن قصد الاستيلاء عليها لنفسه والتغلّب على مالكها، كسائر الغاصبين ضمنها، وتصير يده يد عدوان، ولو رجع عن قصده لم يزل الضمان. ومثله ما إذا جحدها، أو طلبت منه فامتنع من الردّ مع التمكّن عقلاً وشرعاً، فإنّه يضمنها بمجرّد ذلك، ولم يبرأ من الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه.

(مسألة 23): لو كانت الوديعة في كيس مختوم مثلاً ففتحه وأخذ بعضها ضمن الجميع، بل المتّجه الضمان بمجرّد الفتح كما سبق. وأمّا لو لم تكن مودعة في حرز، أو كانت في حرز من المستودع فأخذ بعضها، فإن كان من قصده الاقتصار عليه فالظاهر قصر الضمان عليه، وأمّا لو كان من قصده أخذ التمام شيئاً فشيئاً، فلا يبعد أن يكون ضامناً للجميع. هذا إذا جعلها المستودع في حرزه. وأمّا لو أخذ المودع الحرز منه وجعلها فيه وختمه أو خاطه فأودعها، فالوجه ضمان الجميع بمجرّد الفتح من دون مصلحة أو ضرورة.

(مسألة 24): لو سلّمها إلى زوجته أو ولده أو خادمه ليحرزوها، ضمن إلاّ أن يكونوا كالآلة ; لكون ذلك بمحضره وباطّلاعه وبمشاهدته.

(مسألة 25): لو فرّط في الوديعة ثمّ رجع عن تفريطه، بأن جعلها في الحرز المضبوط، وقام بما يوجب حفظها، أو تعدّى ثمّ رجع، كما إذا لبس الثوب ثمّ نزعه، لم يبرأ من الضمان. نعم لو جدّد المالك معه عقد الوديعة ـ بعد فسخ الأوّل ـ ارتفع الضمان، فهو مثل ما إذا كان مال بيد الغاصب فجعله أمانة عنده، فإنّ الظاهر أنّه بذلك يرتفع الضمان، من جهة تبدّل عنوان العدوان إلى الاستئمان. ولو أبرأه من الضمان ففي سقوطه قولان، أوجههما السقوط. نعم لو تلفت في يده واشتغلت ذمّته بعوضها لا إشكال في صحّة الإبراء.

(مسألة 26): لو أنكر الوديعة، أو اعترف بها وادّعى التلف أو الردّ ولا بيّنة، فالقول قوله بيمينه. وكذلك لو تسالما على التلف، ولكن ادّعى عليه المودع التفريط أو التعدّي.

(مسألة 27): لو دفعها إلى غير المالك وادّعى الإذن منه فأنكر ولا بينة، فالقول قول المالك. وأمّا لو صدّقه على الإذن، لكن أنكر التسليم إلى من أذن له، فهو كدعواه الردّ إلى المالك في أنّ القول قوله.

(مسألة 28): لو أنكر الوديعة، فلمّا أقام المالك البيّنة عليها صدّقها، لكن ادّعى كونها تالفة قبل أن ينكرها، لا تسمع دعواه، فلا يُقبل منه اليمين ولا البيّنة على إشكال([1020]). وأمّا لو ادّعى تلفها بعد ذلك تسمع دعواه، لكن يحتاج إلى البيّنة، ومع ذلك عليه الضمان لو كان إنكاره بغير عذر.

(مسألة 29): لو أقرّ بالوديعة ثمّ مات، فإن عيّنها في عين شخصيّة معيّنة ـ موجودة حال موته ـ اُخرجت من التركة. وكذا لو عيّنها في ضمن مصاديق من جنس واحد موجودة حال الموت، كما إذا قال: «إحدى هذه الشياه وديعة عندي من فلان»، فعلى الورثة ـ إذا احتملوا صدقه ولم يميّزوا ـ أن يعاملوا معها معاملة ما إذا علموا إجمالاً بأنّ إحداها لفلان، والأقوى التعيين بالقرعة. وإن عيّن الوديعة ولم يعيّن المالك كان من مجهول المالك، وقد مرّ حكمه في كتاب الخمس. وهل يعتبر قول المودع ويجب تصديقه لو عيّنها في معيّن واحتمل صدقه ؟ وجهان، أوجههما عدمه. ولو لم يعيّنها بأحد الوجهين، بأن قال: «عندي في هذه التركة وديعة من فلان»، فمات بلا فصل يحتمل معه ردّها أو تلفها بلا تفريط، فالظاهر اعتبار قوله، فيجب التخلّص بالصلح على الأحوط، ويحتمل قويّاً العمل بالقرعة. ومع أحد الاحتمالين المتقدّمين ففي الوجوب تردّد لو قال: «عندي في هذه التركة وديعة». نعم لو قال: «عندي وديعة» من غير تعيين مطلقاً، أو مع تعيين ما ولم يذكر أنّها في تركتي، فالظاهر عدم وجوب شيء في التركة ما لم يعلم بالتلف تفريطاً أو تعدّياً.

خاتمة
الأمانة على قسمين: مالكيّة وشرعيّة.

أمّا الأوّل: فهو ما كان باستئمان من المالك وإذنه، سواء كان عنوان عمله ممحّضاً في ذلك كالوديعة، أو بتبع عنوان آخر مقصود بالذات، كما في الرهن والعارية والإجارة والمضاربة، فإنّ العين فيها بيد الطرف أمانة مالكيّة، حيث إنّ المالك قد سلّمها إليه وتركها بيده من دون مراقبة منه، وجعل حفظها على عهدته.

وأمّا الثاني: فهو ما لم يكن الاستيلاء عليها ووضع اليد باستئمان وإذن من المالك، وقد صارت تحت يده لا على وجه العدوان، بل إمّا قهراً، كما إذا أطارتها الريح، أو جاء بها السيل مثلاً في ملكه، ووقعت تحت يده. وإمّا بتسليم المالك لها بدون اطّلاع منهما، كما إذا اشترى صندوقاً فوجد فيه شيئاً من مال البائع بدون اطّلاعه، أو تسلّم البائع أو المشتري زائداً على حقّهما من جهة الغلط في الحساب مثلاً. وإمّا برخصة من الشرع كاللقطة والضالّة، وما ينتزع من يد السارق أو الغاصب للإيصال إلى صاحبه. وكذا ما يُؤخذ من الصبيّ أو المجنون من مالهما ـ عند خوف التلف في أيديهما ـ حسبة للحفظ، وما يؤخذ ممّا كان في معرض الهلاك والتلف من الأموال المحترمة، كحيوان معلوم المالك في مسبعة أو مسيل ونحو ذلك، فإنّ العين ـ في جميع هذه الموارد ـ تكون تحت يد المستولي عليها أمانة شرعيّة، يجب عليه حفظها وإيصالها ـ في أوّل أزمنة الإمكان ـ إلى صاحبها ولو مع عدم المطالبة، وليس عليه ضمان لو تلفت في يده، إلاّ مع التفريط أو التعدّي كالأمانة المالكيّة. ويحتمل عدم وجوب إيصالها، وكفاية إعلام صاحبها بكونها عنده، والتخلية بينها وبينه بحيث كلّما أراد أن يأخذها أخذها، بل لا يخلو هذا من قوّة. ولو كانت العين أمانة مالكيّة بتبع عنوان آخر وقد ارتفع ذلك العنوان ـ كالعين المستأجرة بعد انقضاء مدّة الإجارة، والعين المرهونة بعد فكّ الرهن، والمال الذي بيد العامل بعد فسخ المضاربة ـ ففي كونها أمانة مالكيّة أو شرعيّة وجهان بل قولان، لا يخلو أوّلهما من رجحان.
__________________________________________
[1011] ـ بل الأقوى مع جهل المودّع، وأمّا مع علمه بالعجز فالأقوى الجواز تكليفاً، وعدمه وضعاً، لعدم ترتّب فائدة الوديعة على العقد كذلك.
[1012] ـ وكذا إذا لم يفهم منه المثالية ولا القيدية.
[1013] ـ بل غير بعيد بل لا يخلو عن قوّة، نعم كما أنّ قصد الرجوع شرط لجواز رجوعه على المالك فكذلك قصد جبران خسارة أداء ذلك المال إلى زمان أخذه من المودّع شرط لاستحقاقه ذلك التفاوت أيضاً.
[1014] ـ بل على الأقوى.
[1015] ـ بل لا يخلو عن قوّة.
[1016] ـ محلّ تأمّل بل منع وعدم الجريان لا يخلو من قوّة.
[1017] ـ بل على الأقوى.
[1018] ـ وهو الوديعة التي جرت العادة في حفظها ولو بالسفر بها.
[1019] ـ حسنه ممنوع، وعدم الجواز مطلقاً هو الأقوى، كما مرّ.
[1020] ـ من أنّه بإنكاره السابق مكذّب لدعواه اللاحقة، فلا تسمع لتناقض كلاميه ولا يقبل منه اليمين ولا البيّنة بعد أن كذّبها بإنكاره السابق، ومن عموم الأدلّة وجواز استناد جحوده إلى النسيان فيعذر، لكنّ القول بعدم السماع أوجه ; لأصالة عدم النسيان، ولما في شمول عموم الأدلّة لمثل مورد التناقض والاتّهام، إشكال بل منع.
العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org