Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة عامة
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: أسرار الحجّ وأعماله الباطنة

أسرار الحجّ وأعماله الباطنة إعلم أنّ للحجّ أسرار وفوائد لايمكن إحصاؤها وإن خفيت على الملحدين كابن أبي العوجاء وأشباهه; لأن من أضله اللّه وأعمى قلبه استوخم الحقّ فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه وربّه، يورده مناهل الهلكة ثم لايصدره، إذ من الواضح أنّ اللّه تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه وعلوّ شأنه وعظم سلطانه، وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديّتهم وذلّهم واستكانتهم، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم، والملاك لمماليكهم، يستذلونهم بالوقوف على باب بعد باب، واللبث في حجاب بعد حجاب، لايؤذن لهم بالدخول حتّى تقبل هداياهم، ولا تقبل منهم الهدايا حتّى يطول حجابهم، وأنّ اللّه تعالى قد شرف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه، واصطفاه لقدسه، وجعله قياماً للعباد ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد، وجعل ماحوله حرماً، وجعل الحرم آمناً، وجعل فيه ميداناً ومجالاً، وجعل له في الحلّ شبهاً ومثالاً فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين، ثم أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالاً وركباناً من كلّ فجّ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس، شعثاً غبراً متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتلبية وإجابة الدعوة، حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول، وأوقفهم بالتلبية وإجابة الدعوة، حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم ليطهّروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه، وليزوروا البيت على طهارة منهم، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرقّ وكنه العبوديّة، فجعلهم تارّة يطوفون بيته ويتعلّقون بأستاره، ويلوذون بأركانه، وأخرى يسعون بين يديه مشياً وعدواً ليتبيّن لهم عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة، وليعرفوا أنفسهم ويضعوا الكبر من رؤوسهم، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ويستشعروا شعار المذلّة، وينزعوا ملابس الفخر والعزّة، وهذا من أعظم فوائد الحجّ، مضافاً إلى مافيه من التذكّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر وأهوال يوم القيامة، إذ الحجّ هو الحشر الأصغر، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها ولهين متضرّعين راجين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء، أشبه شيء بخروج الناس من أجداثهم وتوشّحهم بأكفانهم واستغاثتهم من ذنوبهم وحشرهم إلى صعيد واحد إما إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحجّاج في طوافهم وسعيهم ورجوعهم وعودهم يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب المدهوش الطّالب ملجأً ومفزعاً نحو أهل المحشر في أحوالهم وأطوارهم، وإلى مافيه من اختبار العباد وطاعتهم وإنقيادهم إلى أوامره ونواهيه.

ومن أسرار الحج ما أشار إليه أمير المؤمنين(عليه السلام)، وإليك نصّه:

وفرض عليكم حجّ بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزّته. واختار من خلقه سمّاعاً أجابوا إليه دعوته، وصدّقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يُحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عنده موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علماً وللعائذين حرماً([21]).

وعنه(عليه السلام): ألا ترون أنّ اللّه جلّ ثناؤهُ اختبر الأوّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لاتضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً ـ إلى أن قال: ـ ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابةً لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، ثمّ قال: حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلّلون للّه حوله، ويرملون على أقدامهم شعثاً غبراً له، قد نبذوا القنع والسرابيل وراء ظهورهم، وحسروا بالشعور حلقاً عن رؤوسهم... الحديث([22]).

ومن أسرار الحجّ ما أشار إليه إمام المتّقين وسيّد الساجدين زين العابدين(عليه السلام)، وإليك نصّه:

العالم الجليل الأوّاه السيّد عبد اللّه سبط المحدّث الجزائري في شرح النخبة قال: وجدت في عدّة مواضع، أوثقها بخطّ بعض المشايخ الذين عاصرناهم مرسلاً أنّه لمّا رجع مولانا زين العابدين(عليه السلام) من الحجّ استقبله الشبلي، فقال(عليه السلام) له: «حججت ياشبلي؟» قال: نعم يا ابن رسول اللّه، فقال(عليه السلام): «أنزلت الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟ » قال: نعم، قال: «فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ » قال: لا، قال: «فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك، نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات ؟» قال: لا، قال: «فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ » قال: لا، قال: «فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت، ثم قال: تنظّفت، وأحرمت، وعقدت بالحجّ؟» قال: نعم، قال: «فحين تنظّفت وأحرمت وعقدت الحجّ، نويت أنّك تنظفّت بنورة التوبة الخالصة للّه تعالى؟ » قال: لا، قال: «فحين أحرمت نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه اللّه عزّ وجلّ؟» قال: لا، قال: «فحين عقدت الحجّ نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير اللّه؟» قال: لا، قال(عليه السلام)له: «ماتنظّفت، ولا أحرمت، ولا عقدت الحجّ».

قال له: «أدخلت الميقات وصلّيت ركعتي الإحرام ولبّيت ؟ » قال: نعم، قال: «فحين دخلت الميقات، نويت أنّك بنيّة الزيارة ؟ » قال: لا، قال: «فحين صلّيت الركعتين، نويت أنّك تقرّبت إلى اللّه بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟» قال: لا.

قال: «فحين لبّيت، نويت أنّك نطقت للّه سبحانه بكلّ طاعة، وصمت عن كلّ معصية؟ » قال: لا، قال(عليه السلام) له: «ما دخلت الميقات، ولا صلّيت، ولا لبيّت.

ثم قال له: أدخلت الحرم ورأيت الكعبة وصلّيت؟ » قال: نعم.

قال: «فحين دخلت الحرم، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإسلام؟ » قال: لا.

قال: «فحين وصلت مكّة، نويت بقلبك أنّك قصدت اللّه؟» قال: لا.

قال(عليه السلام): «فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صلّيت.

ثم قال: طفت بالبيت، ومسست الأركان، وسعيت؟» قال: نعم.

قال(عليه السلام): «فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى اللّه، وعرف منك ذلك عـلاّم الغيوب؟ » قال: لا.

قال: «فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت».

ثم قال له: «صافحت الحجر، ووقفت بمقام إبراهيم(عليه السلام)، وصلّيت به ركعيتن؟» قال: نعم، فصاح(عليه السلام)صيحة كاد يفارق الدنيا ثم قال: «آه آه ـ ثم قال(عليه السلام)ـ من صافح الحجر الأسود، فقد صافح اللّه تعالى، فانظر يا مسكين لاتضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة وقبض الحرام نظير أهل الآثام.

ثم قال(عليه السلام): نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، أنّك وقفت على كلّ طاعة، وتخلّفت عن كلّ معصية؟» قال: لا.

قال: «فحين صلّيت فيه ركعتين، نويت أنّك صلّيت بصلاة إبراهيم(عليه السلام): وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان؟» قال: لا.

قال له: «فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صلّيت فيه ركعتين.

ثم قال(عليه السلام) له: أشرفت على بئر زمزم، وشربت من مائها؟ » قال: نعم.

قال: «نويت أنّك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟ » قال: لا.

قال(عليه السلام): «فما أشرفت عليـها، ولا شربت من مائها».

ثم قال(عليه السلام) له: «أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما؟ » قال: نعم.

قال له: «نويت أنّك بين الرجاء والخوف؟» قال: لا.

قال: «فما سعيت، ولا مشيت، ولا تردّدت بين الصفا والمروة.

ثم قال: أخرجت إلى منى؟ » قال: نعم.

قال: «نويت أنّك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟» قال: لا.

قال: «فما خرجت إلى منى.

ثم قال له: أوقفت الوقفة بعرفة، وطلعت جبل الرحمة، وعرفت وادي نمرة، ودعوت اللّه سبحانه عند الميل والجمرات؟» قال: نعم.

قال: «هل عرفت بموقفك بعرفة اللّه سبحانه أمر المعارف والعلوم، وعرفت قبض اللّه على صحيفتك واطّلاعه على سريرتك وقلبك؟ » قال: لا.

قال: «نويت بطلوعك جبل الرحمة، إن اللّه يرحم كلّ مؤمن ومؤمنه، ويتولّي كلّ مسلم ومسلمة؟ » قال: لا.

قال: «فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتّى تأتمر، ولا تزجر حتّى تنزجر؟ » قال: لا.

قال: «فعندما وقفت عند العلم والنمرات، نويت أنّها شاهدة لك على الطّاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر ربّ السموات؟ » قال: لا.

قال: «فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات».

ثم قال: مررت بين العلمين، وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟» قال: نعم.

قال: «فحين صلّيت ركعتين، نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر، تنفي كلّ عسر، وتيسّر كلّ يسر؟ » قال: لا.

قال: «فعندما مشيت بين العلمين ولم تعدل عنهما يميناً وشمالاً، نويت أن لا تعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالاً لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟ » قال: لا، قال: «فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى، نويت أنك رفعت عنك كلّ معصية وجهل، وثبّت كلّ علم وعمل ؟ » قال: لا.

قال: «فعندما مررت بالمشعر الحرام، نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف للّه عزّ وجلّ؟ » قال: لا.

قال: «فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام.

ثمّ قال له: وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجدالخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة؟» قال:نعم.

قال: «فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجـمار، أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك؟ » قال: لا.

قال: «فعندما رميت الجمار، نويت أنّك رميت عدوّك إبليس وغضبته بتمام حجّك النّفيس ؟ » قال: لا.

قال: «فعندما حلقت رأسك، نويت أنّك تطهّرت من الأدناس ومن تبعه بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أُمّك ؟ » قال: لا.

قال: «فعندما صلّيت في مسجد الخيف، نويت أنّك لا تخاف إلاّ اللّه عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلاّ رحمة اللّه تعالى؟ » قال: لا.

قال: « فعندما ذبحت هديك، نويت أنّك ذبحت حنجرة الطّمع بما تمسّكت به من حقيقة الورع، وأنّك اتّبعت سنّة إبراهيم(عليه السلام) بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحان قلبه، وحاجه سنّته لمن بعده، وقرّبه إلى اللّه تعالى لمن خلفه؟» قال: لا.

قال: « فعندما رجـعت إلى مكّة وطفت طواف الإفاضة، نويت أنّك أفضت من رحمة اللّه تعالى ورجـعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه، وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى اللّه تعالى؟ » قال: لا.

قال له زين العابدين(عليه السلام): «فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت، ارجـع فإنّك لم تحج».

فطفق الشبلي يبكي على مافرّطه في حجّه، وما زال يتعلّم حتّى حـجّ من قابل بمعرفة ويقين.

وهنا لا يخلو ما أشار إليه شارح نهج البلاغة([23]) من فائدة حول أسرار الحجّ والوظائف القلبية عند كلّ واحد من أعمال الحجّ، قال(رحمه الله):

وأمّا الإحرام والتلبية من الميقات:

فليستحضر أنه إجابة نداء اللّه تعالى، وليكن في قبول إجابته بين خوف ورجاء، مفوّضاً أمره إلى اللّه، متوكّـلاً على فضله.

قال سفيان بن عيينة: حجّ زين العابدين علي بن الحسين(عليه السلام)، فلمّا أحرم واستوت به راحلته، إصفرّ لونه، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبّي، فقيل له: ألا تلبّي، فقال: «أخشى أن يقول: لا لبّيك ولا سعديك!» فلمّا لبّى غشي عليه وسقط عن راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتّى قضى حجّه.

فانظر رحمك اللّه إلى هذه النفس الطاهرة، حيث بلغ بها الإستعداد لافاضة أنوار اللّه، لم تزل الغواشي الإلهيّة والنفخات الربّانيّة تغشاها، فيغيب عن كلّ شيء سوى جلال اللّه وعظمته وليتذكّر عند إجابته نداء اللّه سبحانه، إجابة ندائه بالنفخ في الصور، وحشر الخلق من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة، مجيبين لندائه.

أمّا دخول مكّة:

فليستحضر عنده أنه قد انتهى إلى حرم اللّه الآمن، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللّه، وليخش أن لايكون من أهل القرب، وليكن رجاؤه أغلب، فإنّ الكريم عميم، وشرف البيت عظيم، وحقّ الزائر مرعى، وذمام اللائذ المستجير غير مضيّع، خصوصاً عند أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. ويستحضر أنّ هذا الحرم مثال للحرم الحقيقي، لترقى من الشوق إلى دخول هذا الحرم والأمن بدخوله من العقاب إلى الشوق إلى دخول ذلك الحرم والمقام الأمين.

وإذا وقع بصره على البيت فليستحضر عظمته في قلبه، وليترقّ بفكره إلى مشاهدة حضرة ربّ البيت في جوار الملائكة المقرّبين، وليتشوّق أن يرزقه النظر إلى وجه الكريم، كما رزقه الوصول إلى بيته العظيم، وليتكثّر من الذكر والشكر على تبليغ اللّه أيّاه هذه المرتبة.

وأمّا الطواف بالبيت:

فليستحضر في قلبه التعظيم والخوف والخشية والمحبّة وليعلم أنّه بذلك متشبّه بالملائكة المقرّبين الحافّين حول العرش الطائفين حوله.

ولا تظنّن أنّ المقصود طواف جسمك بالبيت، بل طواف قلبك بذكر ربّ البيت، حتّى لاتبتدىء بالذكر إلاّ منه، ولا تختم إلاّ به، كما تبدأ بالبيت وتختم به.

وأعلم أنّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبيّة، وأنّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة للإنسان الباطن الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب.

وأمّا الإستلام:

فليستحضر عنده أنّه مبايع للّه على طاعته، ومصمّم عزيمته على الوفاء بيعته، (فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)([24]).

ولذلك قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): «الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه»([25]).

وأمّا السعي بين الصفا والمروة:

فمثال لتردّد العبد بفناء دار الملك، جائياً وذاهباً، مرّةً بعد اُخرى، إظهاراً للخلوص في الخدمة، ورجاءً لملاحظته بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ماالذي يقضي الملك في حقّه من قبول أوردّ، فيكون تردّده رجاء أن يرحمه في الثانية إن لم يكن رحمه في الأُولى.

وليتذكّر عند تردّده بين الصفا والمروة تردّده بين كفّتي الميزان في عرصة القيامة، وليمثّل الصفا بكفّة الحسنات والمروة بكفّة السّيئات، وليتذكّر تردّده بين الكفّتين، ملاحظاً للرجحان والنقصان، متردّداً بين العذاب والغفران.

وأمّا الوقوف بعرفة:

فليتذكّر بما يرى من ازدحام الناس، وإرتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، وإتّباع الفرق أئمّتهم في التردّدات على المشاعر ـ إقتفاءً لهم وسيراً بسيرتهم ـ عرصات القيامة، واجتماع الأُمم مع الأنبياء والأئمّة واقتفاء كلّ اُمّة أثر نبيّها، وطمعهم في شفاعتهم، وتجرّدهم في ذلك الصعيد الواحد بين الردّ والقبول. وإذا تذكّر ذلك فيلزم قلبه الضراعة والابتهال إلى اللّه أن يحشره في زمرة الفائزين المرحومين، ولكن رجاؤه أغلب، فإنّ الموقف شريف، والرحمة إنمّا تصل من حضرة الجلال إلى كافّة الخلائق بواسطة النفوس الكاملة من أوتاد الأرض، ولا يخلو الموقف عن طائفة من الأبدال والأوتاد وطوائف من الصالحين وأرباب القلوب.

وأمّا رمي الجمار:

فيلقصد به الانقياد لأمر اللّه، وإظهار الرقّ والعبوديّة.

ثمّ ليقصد به التشبّه بإبراهيم(عليه السلام)حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع ليدخل على حجّه شبهة، أو يفتنه بمعصية،، فأمره اللّه تعالى أن يرميه بالحجارة، طرداً وقطعاً لأصله.

فإن خطر له أنّ الشيطان عرض لإبراهيم(عليه السلام) ولم يعرض له، فليعلم أنّ هذا الخاطر من الشيطان، وهو الذي ألقاه على قلبه، ليخيّل إليه أنه لا فائدة في الرمي، وأنّه يشبه اللعب وليطرده عن نفسه بالجدّ والتشمير في الرمي فيه، يرغم فيه أنف الشيطان، فإنّه وإن كان في الظاهر رمياً للعقبة بالحصى، فهو في الحقيقة رمي لوجه إبليس وقصم لظهره، إذ لايحصل إرغام أنفه إلاّ بامتثال أمر اللّه، تعظيماً لمجرّد الأمر.

وأمّا ذبح الهدي:

فليعلم أنّه تقرّب إلى اللّه تعالى بحكم الامتثال، فليكمل الهدي وأجزاه، وليرج أن يعتق اللّه بكلّ جزء منه جزءاً من النار، هكذا ورد الوعد، فكلّما كان الهدي أكثر وأوفر كان الفداء به من النار أتمّ وأعمّ، وهو يشبه التقرّب إلى الملك بالذبح له وإتمام الضيافة والقرى، والغاية منه تذكّر المعبود الأوّل سبحانه عند النيّة في الذبح، واعتقاد أنّه متقرب به بأجزائه إلى اللّه([26]).
________________________________________________________________


([21]) نهج البلاغة: خطبة 1.

([22]) الكافي 4: 199، ح2، الوسائل 11: 11، أبواب وجوبه وشرائطه، باب 1، ح11، نهج البلاغة: الخطبة 193.

([23]) كمال الدين ميثم بن علي البحراني من أعلام القرن السابع الهجري.

([24]) الفتح 48: 10.

([25]) الكافي 4: 406 / 9، التهذيب 5: 102/331، الوسائل 13: 324، أبواب الطواف، الباب15، ح3.

([26]) شرح نهج البلاغة (للبحراني) 1: 233.
العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org