Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: دروس خارج الفقه
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: الشرائط المعتبرة في القصاص (درس54)
الشرائط المعتبرة في القصاص (درس54)
الدرس دروس خارج الفقه
_AyatollahSanei
القصاص
الدرس 54
التاريخ : 2008/12/05

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة 6 ـ في ثبوت القود على السكران الآثم في شرب المسكر إنْ خرج به عن العمد والاختيار تردُّد[1]، والأقرب الأحوط عدم القود[2].
(1) والعبارة شبيهة لما في (الجواهر)، ففيه: (وفي ثبوت القود على السكران الآثم في سكره تردُّد وخلاف، ولكنّ الثبوت أشبه; وفاقاً للأكثر، كما في (المسالك)، بل قد يظهر من (غاية المراد) نسبته إلى الأصحاب، مشعراً بالإجماع عليه، بل في (الإيضاح) دعواه صريحاً عليه، ناسباً له مع ذلك النصّ، ذكر ذلك في مسألة شارب المرقد والمبنج)(1).
منشأ التردد انتفاء العمد والقصد فيه والاحتياط في الدّم ومن أنّه كالصاحي في تعلق الأحكام، فإنَّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فهو من الخارج عن الاختيار بسوء اختياره، المعامل معه معاملة المختار في إجراء الأحكام، حتى طلاق زوجته وغيره من الأحكام.
(2) بل الأقرب القود، والحجة على ذلك وجوه أربعة مؤيَّدة ومعتضدة بالإجماع المصرَّح به في (الإيضاح)(2) والمشعر به في (غاية المراد)[3] ، كما عرفت من عبارة (الجواهر).
أحدها: عمومات القِصاص وإطلاقاته لا سيّما قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي القَتْلِ)[4] ، وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولِي الألْبَابِ)[5] ، فأيّ قاتل أظلم ممَّن شرب الخمر حراماً ولذّة ولهواً وصار سكراناً فقتل نفساً محترمة كان مثلاً في طريقه إلى المسجد لأداء الصلاة أو في طريق أو أمر آخر من دون اعتراض أو مهاجمة لذلك السكران القاتل؟ وأيّ مظلوم يكون مثل ذلك المقتول في المظلوميّة؟ وهل يُتصوَّر أنْ لا يجعل الله الحكيم تعالى ولاية لوليِّه في القصاص، ويكتفي الشرع بالدية والمال؟ وهل لا يكون لمثله الموت عوضاً عن الحياة؟
ثانيها: موثقة السكوني عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: ((كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فسجنهم فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين:يا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أقدهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون؟فقالوا: نرى أن تقيدهما، فقال الامام علي ـ عليه السلام ـ للقوم: فلعلّ ذينك اللّذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه،قالوا: لا ندري، فقال الامام عليّ ـ عليه السلام ـ: بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين)).
قال: وذكر إسماعيل بن الحجّاج بن أرطأة، عن سماك بن حرب، عن عبيد الله بن أبي الجعد قال: كنت أنا رابعهم، فقضى الامام عليّ ـ عليه السلام ـ هذه القضيّة فينا[6].
أجاب الامام عليّ ـ عليه السلام ـ أهل المقتولين الذين يريدون قصاص الرجلين الباقينبقوله: ((فلعلّ ذينك اللّذين ماتا... إلخ))، الظاهر في أنَّ عدم القود للباقين إنّما هو لعدم العلم دلالة مفهوميّة على ثبوت القود عليهما مع إحراز كونهما قاتلين، وإنْ كانا سكرانين، فمفهوم الحديث عدم كون السكر مانعاً عن القصاص، وأنَّ على السكران القصاص، كما على غيره من القتلة.
ثالثها: ما في (المسالك) وغيره وهو: (أنّ الشارع لم يعذر السكران مطلقاً، بل نزّله منزلة الصّاحي)[7] ؛ وذلك لما عليه من مثل قضاء الصلاة ومن صحّة أقاريره على نفسه، وصحّة طلاقه وغيرها من الأحكام.
وبالجملة، الثالث: الاستقراء وإلغاء الخصوصيّة من الموارد; لكثرتها، فالحكم بجريان تلك الأحكام على السكران إنما هو بما هو سكران لا لخصوصيّته في تلك الأحكام، فتأمّل.
رابعها: وجود المقتضي وعدم المانع، أمَّا عدم الثاني، فلعدم الإشكال والكلام فيه. وأمّا الأوّل فلأنَّ العمد والقصد الذي يكون من شرائط القصاص وإنْ كان غير موجود في السكران، كما هو المفروض، إلاَّ أنَّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تكليفاً وملاكاً أو ملاكاً فقط.
كيفما كان، لا يكون سكره الناشئ عن المعصية والإثم عذراً رافعاً للقصاص والقود إنْ لم نقل بكونه متأكّداً له، ولك أنْ تقول: أدلّة شرطية العمد منصرفة عن العاصي والناقض للشرع والقانون، فإنَّ الشارع لا يحمي بشرعه الناقض له، والمولى الحكيم لا يجعل العاصي معافاً عن الجزاء والقصاص الذي فيه الحياة، بل لا يمكن ذلك له عقلاً; لكونه سبباً للتجرّي على المعصية، كما لا يخفى.
وبما ذكرناه يظهر عدم تمامية ما استُدلّ به لعدم القصاص بعدم العمد وبالاحتياط في الدماء.
أمّا الثاني، فلا محلّ له مع الدليل، وأمّا أوّلهما، مع أنَّه اجتهاد في مقابل النصّ، غير مضرّ; لأنَّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
تنبيه: في صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: ((قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في أربعة شربوا مسكراً، فأخذ بعضهم على بعض السّلاح فاقتتلوا، فقُتِلاثنان وجُرِح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّواحد منهماثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أنْ تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، فإنْ مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء))[8].
بما أنَّ في هذه الصحيحة المشابهة مورداً مع موثقة السكوني من أحكامثلاثة مخالفة للقواعد والضوابط فلا يصحّ الاعتماد عليها بجعلها معارضاً للموثّق أو مؤيّدة له، والأحكامالثلاثة هي:
ألف: جعل دية المقتولين على المجروحين، مع أنَّ الظاهر عدم العلم بكونهما قاتلين لهما، ومن المعلوم كون الدية منوطةً بالثبوت والإحراز.
باء: جعل دية جرحهما من دية المقتولين، وهذا كالأوّل في المخالفة للقواعد، كما لا يخفى.
جيم: عدم ترتّب شيء على المقتولين من موت المجروحين، فكيف يمكن الجمع بين أخذ دية جرحهما من دية المقتولين، الظاهر في كون الجراحة منهما، وبين عدم الشيء عليهما مع موت المجروحين بسراية الجراحة المضمونة عليهما؟ وهل هذا إلاّ تعارض وتناف بين الحكمين؟
وتوهُّم أنَّه لمّا كان ـ عليه السلام ـ عالماً بالقضيّة، وأنَّ قتل المقتولين بالمجروحين وجرحهما بالمقتولين، فلا مخالفة فيهما مع القواعد أصلاً، وتكون الصحيحة معارضة مع الموثّقة، للدلالة على عدم القود على السكران مدفوع بأنَّ هذا ليس إلاَّ توجيهاً تبرعيّاً، بل وليس إلاَّ رجماً بالغيب أوّلاً، وبقاء الحكمالثالث على المخالفة ثانياً، كما لا يخفى، وأنَّ المعارضة فرع الظهور دون الاحتمال والرّجم بالغيب ثالثاً.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - جواهر الكلام 42: 186.
[2] - ايضاح الفوائد 4: 340.
[3] - غاية المراد 4: 387.
[4] - الاسراء: 33.
[5] - البقرة: 179.
[6] - وسائل الشيعة 29: 233، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 1، حديث 2.
[7] - مسالك الإفهام 15: 165.
[8] - وسائل الشيعة 29: 233، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 1، الحديث 1.
الدرس اللاحق الدرس السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org