Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة عامة
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: الإشكال الثاني

الإشكال الثاني ينافي وجوب الخلع على الرجل وإلزامه بالطلاق، الرواياتُ([61]) التي تدلّ على أنه لا يمكن للرجل نقل حقّ الطلاق للزوجة عبر الشرط; ذلك أن اختيار الرجل في الطلاق ينافي إلزامه به، وإحدى هذه الروايات صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر: «أنه قضى في رجل تزوّج امرأةً وأصدقته هي، واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنّة وولّيت حقاً ليست بأهله، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنّة»([62]).

جواب الإشكال

ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: استند الفقهاء الكبار لهذه الصحيحة لإثبات بطلان شرط وضع الطلاق بيد الزوجة، وعلى أساس هذه الدلالة في الرواية يمكن القول بمنافاة هذه الصحيحة للقول بوجوب وإلزام الرجل بطلاق الخلع، لكننا نعتقد أنه ليس لهذه الصحيحة ظهور في هذا المعنى ولا دلالة عليه، وإنما هناك احتمال آخر فيها، لا تنافي معه القول بوجوب الخلع، وهذا الاحتمال هو أن الإمام بيّن أن الطلاق بيد الرجل بمعنى أن الرجل هو
الذي يطلّق المرأة لا أن المرأة هي التي تطلّق الرجل، فالمرأة ليس لها الحق في أن تشرط على الرجل أنها في أيّ وقت أرادت يمكنها أن تطلّقه، فتقول له: «أنت طالق أو هو طالق»; ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا الاحتمال تغدو الرواية متصلة بنفي طلاق الرجل بيد المرأة، وليست في مقام بيان جواز أو عدم وجوب الطلاق على الرجل وإلزامه به.

ويؤيّد هذا الاحتمال بشاهدين: أحدهما خارجي، والآخر داخلي;

أ ـ أما الشاهد الخارجي، فهو رواية ابن مسعود الواردة في كتاب «كنز العمال»، والتي وردت في هذا المجال، ومتنها كالتالي: «عن ابن مسعود، أنه جاء إليه رجل، فقال: كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس، فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع، فقال: فقلت: إن الذي بيدي من أمرك بيدك، فقالت: أنت طالق ثلاثاً...»([63]).

وشاهدنا في هذا الخبر جملة: «فقالت: أنت طالق ثلاثاً»، فإن صراحة هذه الرواية تقوي الاحتمال الذي اخترناه في رواية محمد بن قيس.

ب ـ وأما الشاهد الداخلي، فهو تعبير: «خالفت السنّة»; ذلك أن المراد من السنّة، هو السنّة الاجتماعية وديدن العقلاء في الجماع والطلاق، ذلك أن المبادرة والإقدام في الجماع وفي الطلاق كان بيد الزوج في كل المجتمعات وفي تمام الأزمنة ولو السابقة على الإسلام، وإذا ما قيل في مجتمع ما: إن المرأة الفلانية طلّقت الرجل الفلاني، فإنهم يسخرون من ذلك ويثير الضحك عندهم... وهذه السنّة والديدن العقلائي استمرّ أيضاً سائداً بعد الإسلام إلى زماننا هذا، وبناءً على هذا المعنى للسنّة يتقوى الاحتمال الذي اخترناه من أن الرواية في مقام بيان طلاق المرأة للزوج وإجرائها صيغة الطلاق بنفسها عليه; فإن هذا الفعل مخالف للسنن السائدة ودأب الناس وديدن العقلاء; إذ الرجل هو الذي يفترض أن يطلق المرأة.

الوجه الثاني: لنفترض أن هذا الحديث دال على حق الرجل واختياره في أمر الطلاق، ودلالته كدلالة: «الطلاق بيد من أخذ بالساق»، لكنه لا يمكننا القول بأن أيّ حكم يثبت بهذا الحديث في الطلاق يجري في طلاق الخلع أيضاً، لأن ما يقع في الطلاق هو دفع المهر من طرف الزوج وانفصال الزوجين عن بعضهما، أما طلاق الخلع فدفع المهر والمال فيه يكون من طرف المرأة; وبناءً عليه، فهما نوعان منفصلان وإن كانا قسمين من الطلاق; لهذا يمكن القول: إن الخلع ليس من أقسام الطلاق; فإن بعض الفقهاء ـ أوّلا ـ لم يشرطوا إجراء صيغة الطلاق فيه([64])، كما أن كتب الفقهاء وضعت الطلاق والخلع ضمن عنوانين منفصلين: أحدهما «كتاب الطلاق»، وثانيهما «كتاب الخلع والمباراة».

الوجه الثالث: بصرف النظر عن الجوابين السابقين، لا يرد هنا أيضاً إشكال التنافي، ذلك أن القول بوجوب الخلع تصرّف في حدود اختيار الرجل وصلاحياته... أي تصرّف في إطلاق «الطلاق بيد من
أخذ بالساق» أو إطلاق مثل صحيحة محمد بن قيس([65])، التي هي دليل حق الرجل واختياره في الطلاق، فالوجوب تقييد لهما، لا أنه ينفي أصل الحق والاختيار نفياً تاماً حتى يرد إشكال التنافي والتعارض، وهذا التحديد في حرية الرجل في طلاق الخلع حالةٌ لها أشباهها ونماذجها العديدة في الفقه الإسلامي، مثل فتوى الأصحاب بوجوب الطلاق على الرجل في مورد لحوق العسر والحرج على المرأة، وهناك أيضاً يدور البحث حول التصرّف في إطلاق دليل «الطلاق بيد من أخذ بالساق»; حيث ذكر الفقهاء أن إطلاق هذا الدليل محكوم لدليل «لا حرج»، لا أن دليل لا حرج ينفي أصل دليل «الطلاق بيد من أخذ بالساق»; فكما لم يرَ الفقهاء تنافياً في مورد العسر والحرج بين «لا حرج» وإطلاق دليل «الطلاق بيد من أخذ بالساق» كذلك الحال فيما نحن
فيه. وبعبارة أخرى: لم يقيّد هذا الإطلاق في الخلع فقط، بل وقع تقييده أيضاً في موارد أخرى مثل العسر والحرج اللاحقين للزوجة بسبب استمرار الحياة الزوجية.
__________________________________________
[61] . وسائل الشيعة 22: 93، 98، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشروطه، باب 41، ح 5، 6، وباب 42، ح 1، وأحاديث أخرى أيضاً.
[62] . المصدر نفسه 21: 289، كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 29، ح 1، وقد ذكر هذه الرواية المشايخ الثلاثة.
[63] . كنز العمال 9: 288، ح 27896.
[64] . جواهر الكلام 33: 2.
[65] . وسائل الشيعة 21: 289، كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 29، ح 1.
العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org