Loading...
error_text
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: مكتبة عامة
حجم الحرف
۱  ۲  ۳ 
التحميل المجدد   
موقع مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ الصانعي مُدّ ظِلّه العالي :: الاعتراض عليها من وجوه

الاعتراض عليها من وجوه

الأوّل : الطعن في السند ؛ فإنّ في طريقها سهل بن زياد ، وقد ضعّفه الشيخ[1] وابن الغضائري[2] ، واستثناه ابن الوليد من كتاب نوادر الحكمة ، وتبعه الصدوق في ذلك ، وصوّبهما الشيخ الثقة أبو العبّاس بن نوح[3] .

وقال النجاشي : « إنّه كان ضعيفاً في الحديث ، غير معتمد فيه ، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب ، وأخرجه من قم إلى الريّ وكان يسكنها »[4] .

الثاني : أنّ التقييد بذهاب الثلثين إنّما وقع في كلام السائل ، فلا يكون حجّة . وقد وقع نظير ذلك في حديث شراب السفرجل المسمّى بميبة ، الذي رواه الكليني في ما يقرب من باب الطلاء ، عن خليلان بن هشام ، أ نّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن ماء السفرجل يمزج بالعصير المثلّث فيطبخ حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، أيحلّ شربه ؟ فكتب : « لا بأس به ما لم يتغيّر »[5] . ومعلوم أنّ ذهاب الثلثين غير معتبر في هذا الشراب ، مع أنّ التقييد به قد اُخذ في السؤال . والكلام في الروايتين واحد ، وهو أنّ القيد المأخوذ في السؤال لا حجّية فيه ، وأنّ العبرة بالجواب ، وهو خال عنه .

الثالث : أنّ الدلالة فيها بمفهوم الصفة ، وليس حجّة عند الأكثر ، ولو سُلّم فالمفهوم لا يعارض المنطوق ، فلا يصلح الاحتجاج به في مقابلة المنطوقات الدالّة على الحلّ .

الرابع : أنّ قضيّة المفهوم غايتها ثبوت البأس قبل ذهاب الثلثين ، وليس ذلك نصّاً في التحريم ؛ لاحتمال الكراهيّة ؛ فإنّ المكروه لا يخلو عن بأس .

الخامس : أنّ المفهوم من الرواية بمقتضى قول السائل : « ثمّ يرفع فليشرب منه السنة » ، اعتبار ذهاب الثلثين في ماء الزبيب ليصلح ؛ للمكث تلك المدّة ، ولا يتسارع إليه الإسكار المستند إلى المائيّة المغيّرة ، فالتقييد بذهاب الثلثين فيها لرفع الحرمة المتوقّعة بعروض الإسكار لا لرفع التحريم الثابت بالغليان ، كما هو المطلوب .

والجواب :

أمّا عن الأوّل :

أوّلا : بأنّ اشتمال السند على سهل بن زياد لا يوجب قدحاً ؛ لأنّ الأصحّ توثيقه ، وفاقاً لجماعة من المحقّقين[6] ؛ لنصّ الشيخ على ذلك في كتاب الرجال[7] ، ولاعتماد أجلاّء أصحاب الحديث ـ كالصدوقين والكليني وغيرهم ـ عليه ، وإكثارهم الرواية عنه ، مضافاً إلى كثرة رواياته في الاُصول والفروع ، ولسلامتها عن وجوه الطعن والضعف ، خصوصاً عمّـا غمز به من الارتفاع والتخليط ، فإنّها خالية عنهما ، وهي أعدل شاهد على برائته عمّـا قيل فيه[8] ، مع أنّ الأصل في تضعيفه ـ كما يظهر من كلام القوم ـ هو أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري ، وحال القمّيين سيّما بن عيسى في التسرّع إلى الطعن والقدح والإخراج من قم بالتهمة والريبة ظاهر لمن راجع الرجال ، ولو كان الأمر فيه على ما بالغوا به من الضعف والغلوّ والكذب لورد عن الأئمّة (عليهم السلام)ذمّه وقدحه والنهي عن الأخذ عنه والرجوع إليه ، كما ورد في غيره من الضعفاء المشهورين بالضعف ؛ فإنّه كان في عصر الجواد(عليه السلام)والهادي والعسكري (عليهما السلام) ، وروى عنهم ، ولم نجد له في الأخبار طعناً ، ولا نقل ذلك أحد من علماء الرجال ، ولولا أ نّه بمكان من العدالة والتوثيق لما سلم من ذلك .

سلّمنا أ نّه ليس بثقة ، لكنّه من مشايخ الإجازة ؛ لوقوعه في طبقتهم ، فلا يقدح في صحّة السند ، كغيره من المشايخ الذين لم يوثّقوا في كتاب الرجال وتعدّ أخبارهم مع ذلك صحيحة ، مثل محمّد بن إسماعيل البندقي ، وأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار ، وأحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، وأحمد بن عبد الواحد ، وابن أبي جيد ، والحسين بن الحسن بن أبان ، وأضرابهم ؛ لسهولة الخطب في أمر المشايخ ، فإنّهم إنّما يذكرون في السند لمجرّد الاتّصال والتبرّك ، وإلاّ فالرواية من الكتب والاُصول المعلومة ، حيث إنّها كانت في زمان المحمّدين الثلاثة ظاهرة معروفة كالكتب الأربعة في زماننا ، وذكرهم المشايخ في أوائل السند كذكر المتأخّرين الطريق إليهم[9] مع تواتر الكتب وظهور انتسابها إلى مؤلّفيها .

وينبّه على ذلك طريقة الشيخ ـ طاب ثراه ـ ، فإنّه ربما يذكر تمام السند ، كما هو عادة القدماء ، وربما يسقط المشايخ ويقتصر على إيراد الرواية ، وليس ذلك إلاّ لعدم اختلاف حال السند بذكر المشايخ وإهمالهم . وقد صرّح الشيخ في مشيخة التهذيب[10]والاستبصار[11] باستخراج ما أورده فيهما من الأخبار من اُصول الأصحاب وكتبهم ، وأنّ وضع المشيخة لبيان طرقه إلى أصحاب تلك الكتب والاُصول ، وإن لم يكونوا وسائط في النقل .

والظاهر أنّ ما اشتمل على ذكر المشايخ من الروايات كغيره ممّـا ترك فيه ذلك ، وأ نّه لا حاجة إلى توسّطهم في النوعين معاً .

وثانياً : إنّ الأصل في هذه الرواية عليّ بن جعفر ، وطريق الشيخ إليه صحيح في الفهرست ؛ فإنّه قال فيه : « عليّ بن جعفر أخو موسى بن جعفر (عليه السلام) ، جليل القدر ، ثقة ، وله كتاب المناسك ، ومسائل لأخيه موسى (عليه السلام) سأله عنها ، أخبرنا بذلك جماعة عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى ، عن العمركي ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) » . قال : « ورواه محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله والحميري وأحمد بن إدريس وعليّ بن موسى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن موسى بن القاسم البجلي ، عن عليّ بن جعفر »[12] .

وكلا الطريقين من الصحيح الواضح . والمراد بالجماعة التي روى عنهم مشايخه الأجلاّء ، ومنهم المفيد ، وابن الغظائري كما يظهر من طريقه إلى الصدوق وغيره ، فلا يتوهّم جهالتهم .

وكذا طريقه إليه في مشيخة التهذيب والاستبصار ؛ فإنّه قال فيها : « وما ذكرته عن عليّ بن جعفر فقد أخبرني به الحسين بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن العمركي النيسابوري البوفكي ، عن عليّ بن جعفر »[13] .

والمشهور صحّة هذا الطريق ، وإن اشتمل على أحمد بن محمّد بن يحيى .

وقد يناقش في هذا بأ نّ صحّة الطريق في المشيخة إنّما يقتضي الصحّة فيما لم يذكر فيه الطرق إلى الراوي ، لا فيما ذُكر ، كما في هذه الرواية ؛ فإنّ وضع المشيخة للدلالة على الوسائط المتروكة في الأصل ، كما يظهر من كلام الشيخ في الكتابين .

ويمكن دفعه بأنّ الظاهر كون ما ذكر في المشيخة طريق إلى الأصل والكتاب المنقول عنهما ، وفي تخصيص هذا العنوان فيها بالمتروك لحصول الاستغناء فيما عدا ذلك بالطريق المذكور ، لا لاختصاص الطريق به ؛ لأنّ التخصيص بهذا الوجه غير معهود من أصحاب الحديث ، كما لا يخفى على المتتّبع .

وثالثاً : بأنّ هذه الرواية قد تكرّرت في الكتب المشهورة والمعتبرة ، رواها الكليني في الكافي ، والشيخ في التهذيب ، كما عرفت[14] ، ورواها الشيخ الجليل محمّد بن عبد الله الحميري في كتاب قرب الإسناد[15] بواسطة واحدة عن عليّ بن جعفر ، وهذا طريق رفيع عال جدّاً ، وأوردها خالنا العلاّمة المجلسي في كتاب بحار الأنوار[16] نقلا عن كتاب المسائل بإسناده عن عليّ بن جعفر . وتكرار الرواية الواحدة في الاُصول المعتمدة بالطرق المتعدّدة يقتضي صحّتها باصطلاح القدماء ، ولا يقصر في القوّة والاعتماد عن الصحّة باصطلاح المتأخّرين ، وخصوصاً إذا اشتملت على طريق معتبر ، كما في هذا الخبر .

وعن الثاني : بأنّ التقييد بذهاب الثلثين وإن وقع في كلام السائل إلاّ أنّ الظاهر هنا اعتباره في الحكم بالحلّ ، وذلك لوجوه :

الأوّل : أنّ هذا السائل ـ وهو عليّ بن جعفر(رضي الله عنه) ـ جليل القدر ، عظيم الشأن ، كبير المنزلة في أولاد الأئمّة(عليهم السلام) ، عارف بطريقة آبائه وأجداده ، خبير بآثارهم وأخبارهم ، قد صحب أباه وأخاه وروى عنهما شيئاً كثيراً في الحلال والحرام ، والفروع والأحكام ، وقد أخذ في سؤاله عن الأمر الذي يتعلّق بالعادات التي يكثر تعاطيها ، ويتكرّر وقوعها ، هذا القيد المخالف لظواهر الكتاب والسنّة وللعادة المستمرّة بين أكثر الناس في المعصتر من الزبيب ـ على ما يدّعيه القائلون بالتحليل ـ حتّى أ نّهم زعموا كونه حرجاً منفيّاً في الشريعة ؛ لعسره . فلولا علمه بأنّ ذلك شرط في حلّية العصير الزبيبي بمـا عهده من طريقة آبائه ، أو سمعه منهم ، لامتنع منه أخذه في السؤال مسلّماً معلوماً ثابت الحكم ، حيث أ نّه لم يسأل عنه وإنّما سأل عن حكم الشراب المثلّث باعتبار طول مكثه ، واحتمال عروض التحريم له إذا بقي مدّة ، ولو كان الحكم قبل التثليث مشتبهاً عليه غير معلوم عنده لكان ذلك أحقّ بالسؤال وأولى به ، ففي ترك السؤال عنه وأخذه ثابتاً محقّقاً في سؤاله عن غيره دلالة واضحة على أنّ اشتراط التثليث كان معلوماً للسائل ، بل معروفاً بين الطائفة ، ظاهراً عندهم ، وأنّ المشتبه هنا ليس إلاّ ما سئل عنه من حكم الشراب بعد التثليث . وإنّما لم يجعل قيد ذهاب الثلثين متعلّق السؤال حتّى يكون سؤال عليّ بن جعفر عن أصل الحلّية بعد ذهابهما ؛ لأنّ ما ذكره من حديث شرب السنة لا يلائم ذلك ، فإنّ ظاهره كون المشتبه على السائل حكم المعتصر باعتبار بقائه تلك المدّة ، لا حكمه طريّاً ، ولأ نّه يلزم على هذا أن يكون الاكتفاء بذهاب الثلثين في الزبيبي مشتبهاً عليه . ويبعد جدّاً توهّم عدم كفايته فيه ، مع العلم بالاكتفاء به في العنبي الذي هو الأصل في هذا الحكم . وأبعد منه أن لا يكون عليّ بن جعفر عالماً بكفاية ذهاب الثلثين في حلّية عصير العنب ، مع غاية ظهوره واشتهاره .

فإن قيل : لمّـا كان اشتراط ذهاب الثلثين في العصير العنبي أمراً ظاهراً معروفاً ، وكان الزبيبي أشبه شيء بالعنبي ، جاز من السائل اعتقاد مساواتهما في الحكم ، فلذا قيّد السؤال به .

قلنا : الاعتماد على مثل ذلك على تقدير صحّته بعيد من طريقة السلف ؛ فإنّهم لا يعتمدون في الأحكام الشرعيّة غير النصوص ، كما لا يخفى على العارف بأحوالهم .

فالظاهر إذن كون منشأ التقييد في هذا السؤال ثبوت الحكم عند السائل بالطريق المألوف ، أعني طريق النقل ، كما ذكرناه .

الثاني : أنّ الإمام (عليه السلام) قد أقرّ السائل على ما اعتقده من اشتراط التثليث في المعتصر من الزبيب ، ولم ينكر عليه ذلك ، مع ظهور كلامه فيه على ما سبق ، وتقرير الحجّة حجّة ، كقوله وفعله ، كما بيّن في محلّه* .

فإن قيل : أقصى ما هناك اعتبار قيد التثليث المأخوذ في السؤال ، ووقوعه في موضعه نظراً إلى حال السائل وجلالته وتقرير الإمام (عليه السلام) إيّاه عليه ، وأ مّا أنّ ذلك معتبر في حلّية المعتصر من الزبيب حتّى لا يجوز تناوله قبله مطلقاً ، فليس في

* . جاء في حاشية «ش» و «ر 2 » : « لايذهب عليك أ نّ الاستدلال بالتقرير لا يتوقّف على اعتقاد السائل اشتراط التثليث في المعتصر من الزبيب ، بل يصحّ الاحتجاج به بمجرّد أخذ القيد في السؤال، مع عدم إنكاره في الجواب . وإنّما أخذنا اعتقاد السائل في الاحتجاج به لأ نّ الاستدلال به على هذا التقدير أظهر وأبين » . منه (قدس سره)

الرواية ما يقتضي تعيينه ؛ لجواز أن يكون التقييد بذهاب الثلثين لاعتقاد السائل التحريم فيما لم يذهب ثلثاه إذا بقي تلك المدّة ، لمسارعة التغيير إليه و إن اشتبه عليه أمر المثلّث ، ومثل هذا يحسن من عليّ بن جعفر ، ولا ينافي جلالته ، وتقريره على ذلك يقتضي صحّة هذا الاعتقاد الذي لا يثبت به المراد .

قلنا : هذا بعينه هو الاحتمال الذي ذكر في الوجه الخامس من وجوه الاعتراض ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى[17] .

ولو صحّ لزم بطلان الاستدلال بالرواية من جهته ، لا لوقوع التقييد في كلام السائل كما يقتضيه هذاالوجه ، فلا تغفل .

الثالث : أنّ الضمير في قوله (عليه السلام) : « لا بأس به » ، راجع إلى الأمر المسؤول عنه ، وهو العمل المذكور في السؤال ، فهي بمنزلة أن يقال : « لا بأس بأن يطبخ ماء الزبيب حتّى يذهب ثلثاه ، ثمّ يشرب » ؛ لأنّ الضمير الراجع إلى الشيء في قوّة إعادة ذلك الشيء أو تكراره ، وإنّما عدل عنه إلى الإضمار لقصد الإختصاص ، فالتقييد في السؤال هنا يستلزم التقييد في الجواب ، فيحتجّ به .

الرابع : أنّ الرواية في قرب الإسناد وكتاب المسائل قد اتّصل بها ما يدلّ على اعتبار هذا القيد ؛ إذ فيهما أنّ عليّ بن جعفر بعد أن سأل أخاه عن شراب الزبيب بنحو ما سبق نقله عن الكافي والتهذيب قال : « وسألته عن رجل يصلّي للقبلة ، لا يوثق به ، اُتي بشراب فزعم أ نّه على الثلث ، أيحلّ شربه ؟ قال : « لا يصدّق ، إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً »[18] ، واتّصال هذا السؤال بما تقدّمه قرينة على أنّ المسؤول عنه أوّلا ـ وهو المعتصر من الزبيب ـ هو الشراب المسؤول عنه ثانياً ، أو مندرج[19] فيه .

وكيف كان ، يلزم تحريم شربه قبل ذهاب ثلثيه ، كما هو المطلوب .

الخامس : أنّ الظاهر من الشيخ والكليني وغيرهما من قدماء الأصحاب أ نّهم فهموا من الرواية اشتراط ذهاب الثلثين في المعتصر من الزبيب ، فإنّ الشهيد في الدروس عزا القول بالتحريم إلى بعض المتقدّمين استناداً إلى هذه الرواية[20] ، وقد سلكها الكليني (رحمه الله) في الكافي[21] والشيخ في التهذيب[22] في جملة الأخبار المصرّحة بالاشتراط في العصير والطلاء ، وأوردا معها روايتي ابن أبي يعفور وعقبة بن خالد الظاهرتين في اشتراط ذهاب الثلثين في العنب وغيره ، كما تقدّمت الإشارة إليه في الوجه الرابع[23] ، وفهم قدماء الأصحاب أولى بالاعتبار في تعيين معاني الأخبار ؛ لقرب عهدهم من زمان الأئمّة(عليهم السلام) ، وشدّة اُنسهم بكلامهم ، ولكثرة القرائن الدالّة على المقصود في زمانهم ؛ لوجود الاُصول وإيصال الأخبار فيها ، وقد ذهبت عنّا بتقطيع الروايات وبغيره من الأسباب المقتضية لذلك ، باعتبار تقادم العهد وتمادي المدّة .

وبما ذكرناه مفصّلا ظهر وجه الدلالة في هذه الرواية ، وبأنّ الفرق بينها وبين الرواية الواردة في شراب السفرجل[24] مضافاً إلى أ نّ الاحتجاج بالظواهر مشروط بانتفاء الصارف ، وذلك مفقود فى مورد النصّ[25] ، وأنّ المسؤول عنه فيه شراب معروف يعمل على وجه مخصوص ، فكان التقييد فيه معتبراً في أصل الحقيقة ، بخلاف المعتصر من الزبيب .

وعن الثالث :

أمّا أوّلا : فبأ نّ الأقوى حجيّة مفهوم الصفة ، وفاقاً لكثير من الفقهاء والاُصوليّين[26] ، ولأنّ المتبادر من تعليق الأمر على الوصف انتفاؤه بانتفائه ، ولأنّ الغالب في المحاورات خصوصاً في كلام البلغاء إرادة المفهوم من الأوصاف ، وقصد الاحتراز من القيود ، فيحمل عليه المشتبه ؛ إذ المظنون لحوقه بالأعمّ الأغلب ، ومنطوقات الخبر عمومات لا تعارض الخصوص وإن كان مفهوماً ؛ لأنّ خصوص المفهوم أقوى من عموم المنطوق ، كما حقّق في موضعه .

وأمّا ثانياً : فلثبوت الدلالة في هذه الرواية وإن قلنا بعدم حجّية مفهوم الصفة ؛ لدلالة السؤال المتّصل بها في روايتي قرب الإسناد وكتاب المسائل[27] على ابتناء التقييد فيهما على اشتراط التثليث ، ولعدم ظهور فائدة اُخرى لهذا القيد سوى ذلك ، فيجب الحكم به ؛ إذ لا خلاف بين الاُصوليّين في اعتبار المفهوم مع انحصار الفائدة فيه ، صوناً لكلام البلغاء عن اللغو والعبث[28] ، وإن اختلفوا فيه حيث لا حصر ؛ لحصول الاستغناء عنه بغيره ، وكون الغالب اعتباره في الأوصاف والقيود . ولمّا لم يظهر للتقييد هنا فائدة سوى اعتقاد الاشتراط وجب الحمل عليه قولا واحداً .

وأمّا أ نّه شرط في الابتداء أو الاستمرار ، فذلك كلام آخر ولا تعلّق له بهذا الإيراد .

وعن الرابع :

أنّ «البأس» في اللغة بمعنى العذاب ، قاله الجوهري[29] وغيره[30] ، فنفي البأس بمعنى نفي العذاب ، أو نفي ما يستلزمه وهو التحريم . ومفهومه ثبوت أحد الأمرين ، فلا يحتمل الكراهة إلاّ مجازاً بتنزيل المكروه منزلة المحرّم ؛ لشدّة كراهته ، والأصل في الإطلاق الحقيقة .

ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ نفي البأس يستعمل غالباً ويراد به الكراهة ، كما يشهد به تتبّع الأخبار ، وقد ذكر غير واحد من المحقّقين[31] أنّ نفي البأس عن الشيء يشعر بكونه أمراً مرغوباً عنه ، راجح الترك ، ولذا لم يستعمل في الواجب والمندوب ، وما ذلك إلاّ لكون نفي البأس في قوّة نفي التحريم الظاهر فيه ، على أنّ هذا الإيراد إنّما يتوجّه على تقدير أن يكون مناط الاستدلال مفهوم نفي البأس الواقع في الجواب ، ونحن لم نعتمد ذلك وحده في الاحتجاج ، والوجوه الاُخر لا يتوجّه عليها ما ذكر .

وعن الخامس :

أنّ الظاهر كون التقييد في الرواية إشارة إلى ما هو المعهود بين المسلمين ، المتكرّر في الأخبار والآثار سؤالا وجواباً من اعتبار التثليث في أصل الحلّية في هذا وشبهه ، فقد روي من طريق الأصحاب ما يقرب من أربعين حديثاً في العصير العنبي والزبيبي والتمري ، وقد اُخذ في جميع ذلك ذهاب الثلثين شرطاً في الحلّية لا في بقائها[32] . وورد من طريق الجمهور اعتباره فيها أيضاً في آثار كثيرة ، نقلوها عن الصحابة والتابعين[33] . وأمّا فقهاء الفريقين فلا يعرفون من ذهاب الثلثين في مثل هذا الموضع غير المعنى الذي هو شرط في أصل الحلّية حتّى أ نّهم متى أطلقوا ذلك فهم منه هذا المعنى ، ولا يكاد يذهب الوهم إلى غيره ، ولا ريب أنّ الأخبار إنّما تحمل على المعاني المعروفة المعهودة المتكرّرة الوقوع في الأسئلة والأجوبة ؛ فإنّ الأحاديث يفسّر بعضها بعضاً ، ويردّ بعضها إلى بعض .

وقد روى راوي هذا الحديث ـ وهو عليّ بن جعفر ـ عن أخيه موسى (عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يصلّي للقبلة ، لا يوثق به ، اُتي بشراب فزعم أ نّه على الثلث ، أيحلّ شربه ؟ قال : « لا يصدّق ، إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً » ، رواه الشيخ في التهذيب عنه صحيحاً[34] .

وقد علم ممّـا سبق رواية ذلك عنه في كتابي المسائل وقرب الإسناد متّصلا بهذا الحديث ، ومعلوم أنّ قوله « فزعم أ نّه على الثلث » إنّما أراد به التثليث المعتبر في أصل الحلّ دون بقائه ، وبهذا يتّضح إرادته من القيد المذكور هنا نظراً إلى اتّصال السؤالين مع اتّحاد الراوي والمروي عنه فيهما .

ويشهد لذلك أيضاً اعتبار خصوص الثلثين في السؤال ؛ إذ من المستبعد أن يكون مثل ذلك بمجرّد الاتّفاق والغرض من السائل ، من دون أن يكون له أصل ومنشأ في الشرع . ولو كان الغرض مجرّد رفع احتمال السكر العارض لسبب طول المكث لكان المناسب فرض ذهاب معظم المائيّة مطلقاً ، سواء زاد على الثلثين أو نقص عنه ؛ فإنّ ذلك يختلف اختلافاً فاحشاً باختلاف الماء المضاف إلى الزبيب في القلّة والكثرة ، واختلاف المعتصر في القوام والرقّة ، فربما يذهب بالنصف فما دونه ، وربما لا يذهب بالثلثين فما فوقهما ، ولا كذلك إذا كان التقييد بذهاب الثلثين لاشتراطه في حلّية المعتصر ، كما قلناه ؛ لإناطة الحلّ به شرعاً على هذا التقدير ، فلا يختلف .

وأمّا حديث شرب السنة[35] ، فلا ينافي ما ذكرناه ؛ إذ من الجائز أن يكون التقييد بذهاب الثلثين لكونه شرطاً في أصل الحلّية ، ويكون أخذه في السؤال عن بقاء توقّفه على حصول الحلّ المشروط به ، واشتراطه في البقاء تبعاً للوجود لا ينافي في صحّة الاحتجاج بالرواية ، وإنّما المنافي له اشتراطه فيه خاصّة ، وهو المعنى الذي أبطلناه .

ويدلّ على بطلانه مضافاً إلى ما ذكر أنّ مقتضى عموم المفهوم على ذلك التقدير تحريم العصير الزبيبي الذي لم يذهب ثلثاه إذا بقي سنة ، وإن لم يعلم إسكاره ، وهو ضروريّ البطلان .

وقد يجاب بحمل المفهوم على الغالب ، وهو تحقّق الإسكار في مثل ذلك .

ويتوجّه عليه منع الغلبة ؛ لما يشاهد من بقاء العصير الزبيبي الغير المطبوخ على الثلث سنة فما زاد ، من دون إسكار ظاهر ، وخصوصاً في البلدان البادرة ومع اشتداد القوام . سلّمنا الغلبة ، لكنّها فيما يزيد على الثلث بكثير ، وأمّا ما زاد عليه بقليل ، كالتسع والعشر ونحوهما ، فالظاهر أ نّه كالمطبوخ على الثلث في صلاحيّة البقاء والمكث ، وهذا القسم كاف في النقض ، فتدبّر .

ومنها[36] : ما رواه ثقة الإسلام الكليني في باب صفة الشراب الحلال من الكافي ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّـار الساباطي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : سئل عن الزبيب كيف طبخه حتّى يُشرَب حلالا ؟ فقال : « تأخذ رُبُعاً من زبيب فتنقّيه ، ثمّ تطرَح عليه اثني عشر رطلا من ماء ، ثمّ تُنقِعه ليلةً ، فإذا كان من الغد نزعت سُلافته ، ثمّ تصبّ عليه من الماء قدر ما يغمُره ، ثمّ تغليه بالنار غليةً ، ثمّ تنرع ماءه ، فتصبّه على الماء الأوّل ، ثمّ تطرحه في إناء واحد جميعاً ، ثمّ توقد تحته النار حتّى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث وتحته النار ، ثمّ تأخذ رطلا من عسل فتغليه بالنار غلية وتنزع رغوته ، ثمّ تطرحه على المطبوخ ، ثمّ تضربه حتّى يختلط به ، واطرح فيه إن شئت زعفراناً وإن شئت تطيّبه بزنجبيل قليل ، هذا » . قال : « فإذا أردت أن تقسمه أثلاثاً لتطبخه فكِله بشيء واحد حتّى تعلم كم هو ، ثمّ اطرح عليه الأوّل في الإناء الذي تغليه فيه ، ثمّ تجعل فيه مقداراً وحُدَّه حيث يبلغ الماء ، ثمّ اطرح الثلث الآخر ، ثمّ حُدّه حيث يبلغ الماء ، ثمّ تطرح الثلث الأخير ، ثمّ حدّه حيث يبلغ الآخر ، ثمّ توقد تحته بنار ليّنة حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه »[37] .

وهذه الرواية معتبرة الإسناد ، موثّقة الرجال ، والدلالة فيها ظاهرة ، حيث أنّ السائل سأل عن الزبيب كيف يطبخ حتّى يشرب حلالا ، فأجاب عنه بما حاصله حصول الحلّ فيه ، بأن يطبخ الزبيب حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، ومقتضى ذلك أ نّه لا يحلّ إلاّ بذهاب ثلثيه ، كما هو المطلوب .

ومنها[38] : ما رواه الكليني أيضاً في الباب المذكور ، عن محمّد بن يحيى ، عن عليّ بن الحسن ، أو عن رجل ، عن عليّ بن الحسن بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّـار بن موسى الساباطي ، قال : وصف لي أبو عبد الله (عليه السلام)المطبوخ كيف يطبخ حتّى يصير حلالا ، فقال : « تأخذ ربعاً من الزبيب وتنقّيه ، وتصبّ عليه اثني عشر رطلا من ماء ، ثمّ تنقّعه[39] ليلةً ، فإذا كان أيّام الصيف وخشيت أن ينشّ ، جعلته في تنّور مسجور قليلا حتّى لا ينشّ ، ثمّ تنزع الماء منه كلّه حتّى إذا أصبحت صببت عليه الماء بقدر ما يغمره ، ثمّ تغليه حتّى تذهب حلاوته ، ثمّ تنزع ماءه الآخر فتصبّه عليه الماء الأوّل ، ثمّ تكيل ثلثه فتطرحه في الإناء الذي تريد أن تطبخه فيه ، وتصبّ بقدر ما يغمره ماءً ، وتقدّره بعود وتجعل قدره قصبة أو عوداً فتحدّها على قدر منتهى الماء ، ثمّ تُغلي الثلث الأخير حتّى يذهب الماء الباقي ، ثمّ تغليه بالنار ولا تزال تغليه حتّى يذهب الثلثان ويبقى الثلث ، ثمّ تأخذ لكلّ ربع رطلا من العسل فتغليه حتّى يذهب رغوة العسل وتذهب غشاوة العسل في المطبوخ ، ثمّ تضربه بعود ضرباً شديداً حتّى يختلط . وإن شئت أن تطيّبه بشيء من زعفران أو بشيء من زنجبيل فافعل ، ثمّ اشربه ، وإن أحببت أن يطول مكثه عندك فروّقه »[40] .

والتقريب في هذه الرواية نظير ما سبق آنفاً في الرواية الاُولى ، بل الدلالة في هذا أوضح وأجلى ؛ فإنّ قول السائل فيها : « كيف يطبخ حتّى يصير حلالا » ، كالنصّ في أنّ المراد السؤال عمّـا يتوقّف عليه أصل الحلّ دون بقائه واستمراره على ما ارتكبه المحلّلون في هذه الأخبار ، لكن في الرواية إشكال في غير موضع الدلالة منها ، والتنبيه عليه حسن في هذا المقام ، وإن لم يتوقّف عليه إثبات أصل المرام ، وذلك في مواضع :

الأوّل : في قوله (عليه السلام) : « فإذا كان أيّام الصيف وخشيت أن ينشّ ، جعلته في تنّور مسجور قليلا حتّى لا ينشّ » .

وجه الإشكال فيه : أنّ ماء الزبيب إذا نشّ وغلى فغاية الأمر أن يحرم بذلك ، ولا ضير فيه ؛ لكونه في معرض الزوال بما يتعقّبه من ذهاب الثلثين على ما هو المفروض في الرواية ، ثمّ ما الفائدة في جعله في تنّور مشجور إذا خيف عليه من النشيش ، والمحذور يزداد بهذا ؛ فإنّ النار أسرع تأثيراً من الهواء ، وأقوى في التسخين منه ، ولا يمكن أن يقال : إنّ غليان ماء الزبيب حينئذ يستند إلى النار فيزول التحريم الحاصل بسببه بذهاب ثلثيه عليها ، بخلاف ما إذا نشّ من قِبَل نفسه ؛ لأنّ ماء الزبيب متى حرم الغليان حلّ بذهاب ثلثيه على النار ، ولا فرق في ذلك بين غليانه بنفسه وغليانه بالنار ؛ لإطلاق النصّ والفتوى ، فلا يصحّ التفصيل .

والجواب : أنّ النشيش ربما يطلق في الأخبار وفي كلام الأصحاب ويراد به السُكر أو ما يقرب منه ، والمراد منه هنا هذا المعنى دون معناه المعروف ، أعني الغليان ، ولا يبعد عروض السكر لماء الزبيب في ليلة واحدة من ليالي الصيف إذا كان الصيف شديد الحرّ ، وعلى هذا فلا إشكال ؛ لأنّ التحريم بالإسكار غير معرض للزوال ؛ فإنّ المسكر لا يحلّ بذهاب ثلثيه ، لا بالطبخ ولا بغيره إجماعاً منّا ، وفائدة وضعه في التنّور المسجور أنّ ذلك كوضعه على النار في المنع من عروض الإسكار ، وثبوت الحلّ معه بالنقص ، والتزام أحد الأمرين في الموضوع على النار ممّـا لا محيص عنه وإلاّ لزم أن لا يحلّ أبداً إلاّ بصيرورته خلاّ ، وهو باطل بالضرورة .

الثاني : أنّ ماء الزبيب متى وضع في تنّور مسجور ليلة فلا بدّ وأن يحصل فيه النقص بذهاب باقي الثلثين ، ولا يحتاج إلى ذهاب ثلثي الباقي ، كما دلّت عليه الرواية .

والجواب عنه : أنّ الرواية إنّما تضمّنت جعله في تنّور مسجور قليلا ، والمراد إمّا جعله فيه زماناً قليلاً ، أي : قصيراً ، أو جعله في تنّور مسجور سجراً قليلاً ، أي : ضعيفاً ، لا يحصل معه سخونة شديدة . وعلى التقديرين فذلك لا يقتضي نقصاً محسوساً في ماء الزبيب ، فلذا لم يلتفت إليه .

وأيضاً سجر التنّور لغةً وعرفاً ليس إلاّ بمعنى إسخانه ، يقال : سجرت التنّور سجراً إذا أحميته[41] . وفي بعض النسخ : « في تنّور مسخون »[42] ، وفي بعضها : «سُخّن »[43] ، بصيغة الفعل الماضي . ومطلق الإسخان لا يقتضي شدّةً ولا ضعفاً ، فيحمل هنا على الضعيف توفيقاً بين أجزاء الرواية ، وإن فرض انتفاء القيد المذكور ، وفائدة الوضع (حصول مسمّى الغليان بالنار لئلاّ يتسارع إليه الإسكار المانع عن حلّه بالنقص وإن لم يستند )[44] .

الثالث : قوله (عليه السلام) : « فتطرحه في الإناء الذي تريد أن تطبخه فيه » ، إلى قوله (عليه السلام) : « فلا تزال تغليه » ، والإشكال فيه لكونه ملتبس المعنى ، متشابه الدلالة ، غير سلس القياد في إفادة معنى المراد ، حتّى سبق إلى بعض الأنظار توهّم وقوع خلل فيه من قبل عمّـار[45] ، فلنشرح هذا الجزء من الخبر شرحاً يعطي حقّه من النظر ، فنقول:

قال (عليه السلام) : ثمّ تكيله فتنظر كم الماء ، ثمّ تكيل ثلثه فتطرحه، أي الثلث ، في الإناء الذي تريد أن تطبخه فيه ، وتصبّ على الثلث المطروح في الإناء بقدر ما يغمره ، أي بقدر ما يغمر الإناء المعدّ للطبخ ماءً ، وهو مجموع الثلثين الباقيين . والفاعل على هذا ضمير الموصول ، أو المعنى : وتصبّ على الثلث ماءً بقدر ما يغمره الثلث ، أي بقدر مكيال الثلث . والمراد صبّ مقدار مرّة بعد اُخرى حتّى يستوفي الجميع .

وهذا الوجه أوفق بالمعنى ، والأوّل أظهر بحسب النظر .

وعلى التقديرين فالمراد صبّ بقيّة الماء أعني الثلثين الأخيرين مرّتين يفصل بينهما ، للتقدير بالعلاقة* .

وتقدّره ، أي تقدّر لكلّ ثلث تلقيه في الإناء ، بعود حتّى تعلم مقداره منه ، وتجعل قدره الذي تقدر به، قصبة أو عوداً فتحدّها على قدر منتهى الماء في كلّ ثلث ، فتجعل للقدر ثلاث علامات ، لكلّ ثلث علامة ، ثمّ تُغلي الثلث الأخير ، أي الملقى في المرّة الثالثة ، وهو الثلث الأعلى ، والمراد غليانه بغليان الجميع ، وإنّما أسنده إلى هذا الجزء لأنّ أثر الغليان يظهر فيه ابتداءً ، فينقص به شيئاً فشيئاً إلى أن يذهب[46] جميع الماء الباقي في الإناء الأوّل بعد إلقاء الثلثين الأوّلين في الثاني ، وهو الثلث الأخير . ففي الكلام إظهار في مقام الإضمار ، أو المعنى : إلى أن يذهب النقص إلى الماء الباقي تحت الثلث الأخير ، وهو أوّل[47] الثلث الأوسط ، ففيه حذف وإيصال ، أو المراد : إلى أن ينزع الماء الباقي في الذهاب ، (فاستعارة تبعيّة أو مجاز تبعيّ)[48] ، ولا تزال تغليه حتّى يذهب الثلثان الأخيران بتمامهما ويبقى الثلث الأوّل .

* . جاء في حاشية «ش» و «ر 2 » : «وقال في البحار في بيان ذلك: «انّ المراد تصبّ الثلث كلّه في القدر حتّى يغمر ما يغمره من القدر ، أو أ نّه يطرح في القدر ثقل الزبيب أو زبيباً آخر بقدر ما يغمره الماء الأوّل »[49] ، وهو كماترى » . منه (قدس سره)

هذا ما أردناه من هذا الكلام المستصعب على الإفهام ، وبالله الاعتصام من زلل الأقدام .

الرابع : قوله (عليه السلام) : « ثمّ تأخذ لكلّ ربع رطلاً من العسل » ؛ إذ المستفاد منه أنّ هناك أرباعاً يؤخذ لكلّ ربع منها رطل ، والمفروض في صدر هذه الرواية والرواية الاُولى إنّما هو ربع واحد .

والأمر في هذا سهل ؛ فإنّ الغرض التنبيه على حفظ النسبة ، والدلالة على أنّ الحكم غير مقصور على ذلك الفرض المعيّن .

وهذا كلّه كلام وقع في البين ، فلنرجع إلى تحقيق القول في الاستدلال بالروايتين ، ولا يتّضح ذلك إلاّ بإيراد وجوه الإيراد ، واتباعها بما يكشف النقاب عن وجه المراد ، والاعتراض يأتي من وجوه :

--------------------------------------------------------------------------------

[1]. الفهرست (للشيخ) : 228 ، الرقم 339 .

[2]. رجال ابن الغضائري 1 : 66 ـ 67 .

[3]. رجال النجاشي : 348 ، الرقم 939 ، الفهرست (للشيخ) : 409 ، الرقم 623 .

[4]. رجال النجاشي : 185 ، الرقم 49 .

[5]. الكافي 6 : 427 ، باب في الأشربة أيضاً ، الحديث 3 ، وسائل الشيعة 25 : 367 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 29 ، الحديث 3 .

[6]. كما في استقصاء الاعتبار 1 : 134 . والوحيد البهبهاني في تعليقاته على منهج الرجال : 176 و 177 ، وثّقه وصحّح رواياته .

[7]. رجال الطوسي : 387 ، الرقم 5699 .

[8]. تقدّم النقل عن النجاشي في الصفحة 367 . وهذه العبارات وردت بعينها في رجال السيّد بحر العلوم 3 : 24 .

[9]. أي : إلى المحمّدين الثلاثة .

[10]. انظر : التهذيب 10 : 382 ، المشيخة .

[11]. انظر : الاستبصار 4 : 304 ـ 305 .

[12]. الفهرست (للطوسي) : 264 ، الرقم 377 ، مع تفاوت يسير . وانظر : التهذيب 10 : 392 ، المشيخة ، الرقم 33 ، الاستبصار 4 : 340 ، سند الكتاب .

[13]. التهذيب 10 : 392 ، المشيخة ، الرقم 33 ، الاستبصار 4 : 340 ، سند الكتاب .

[14]. راجع : الصفحة 366 ـ 367 .

[15]. قرب الإسناد : 271 ، الحديث 1077 .

[16]. بحار الأنوار 66 : 501 ، الحديث 1 .

[17]. سيأتي في الصفحة 423 .

[18]. قرب الإسناد : 271 ، الحديث 1078 ، مسائل علي بن جعفر : 285 ، باب الأطعمة والأشربة ، الحديث 721 . ورواه الشيخ بإسناده في التهذيب 9 : 143 / 528 ، باب الذبائح والأطعمة ، الحديث 264 ، وسائل الشيعة 25 : 294 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 7 ، الحديث 7 .

[19]. في «ل» : أو يندرج .

[20]. الدروس الشرعيّة 3 : 16 .

[21]. الكافي 6 : 421 ، باب الطلاء ، الحديث 10 ، وسائل الشيعة 25 : 295 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 8 ، الحديث 2 .

[22]. التهذيب 9 : 142 / 522 ، باب الذبائح والأطعمة ، الحديث 258 .

[23]. راجع : الصفحة 344 و 345 . ذكرهما المؤلّف في الوجه الثالث .

[24]. تقدّمت في الصفحة 367 .

[25]. في «ش» : النقض .

[26]. العدّة 2 : 467 ، الوافية في الاُصول : 231 ، تمهيد القواعد : 11 ، التمهيد (للأسنوي) : 245 . واعلم أ نّ الشيخ نسب هذا المذهب إلى الشيخ المفيد ، واعترض على السيّد المرتضى حيث منع من ذلك . وقال الشيخ حسن في معالم الدين (قسم الاُصول) : 79 : «فأثبته قوم ، وهو الظاهر من كلام الشيخ ، وإليه جنح الشهيد في الذكرى ، ونفاه السيّد ، والمحقّق ، والعلاّمة ، وكثير من الناس ، وهو الأقرب » .

[27]. تقدّم ذكرهما وتخريجهما في الصفحة 374 .

[28]. انظر : العدّة 2 : 467 و ما بعدها .

[29]. الصحاح 3 : 906 ، «بأس» .

[30]. لسان العرب 1 : 301 ، «بأس» . تقدّم الكلام حول هذا الموضوع في الصفحة : 344 .

[31]. انظر : روضة المتّقين 3 : 410 ، و 7 : 244 ، مفاتيح الشرايع 2 : 188 ، ملاذ الأخيار 2 : 472 .

[32]. راجع : وسائل الشيعة 25 : 282 وما بعدها ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 2 و 5 .

[33]. انظر : صحيح البخاري 4 : 29 ، باب الباذق ، سنن النسائي : 1272 ، كتاب الأشربة ، باب ذكر ما يجوز شربه من الطلاء .

[34]. قرب الإسناد : 271 ، الحديث 1078 ، مسائل علي بن جعفر : 285 ، باب الأطعمة والأشربة ، الحديث 721 . ورواه الشيخ بإسناده في التهذيب 9 : 143 / 528 ، باب الذبائح والأطعمة ، الحديث 264 ، وسائل الشيعة 25 : 294 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 7 ، الحديث 7 .

[35]. تقدّم ذكر الحديث في الصفحة 366 .

[36]. أي : من النصوص الواردة في المعتصر من الزبيب بالخصوص ، وقد تقدّم ذكر الرواية الاُولى في الصفحة 366 .

[37]. الكافي 6 : 425 ، باب صفة الشراب الحلال ، الحديث 2 ، وسائل الشيعة 25 : 290 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 5 ، الحديث 3 .

[38]. وهي الرواية الثالثة الواردة في خصوص المعتصر من الزبيب .

[39]. في المصدر: ثمّ انقعه .

[40]. الكافي 6 : 424 ، باب صفة الشراب الحلال ، الحديث 1 ، وسائل الشيعة 25 : 289 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 5 ، الحديث 2 .

[41]. الصحاح 2 : 677 ، «سجر» .

[42]. في نقل البحار ورد بهذا اللفظ . انظر : بحار الأنوار 63: 507 ، أبواب الأشربة والأواني ، الباب 3 ، الحديث 12 .

[43]. في نقل الوسائل ورد بهذا اللفظ .

[44]. ما بين القوسين أثبتناه من «ل» .

[45]. أي : عمار الساباطي راوي هذا الحديث .

[46]. ورد في الرواية : حتّى يذهب .

[47]. «أوّل» لم يرد في «ش» .

[48]. ما بين القوسين لم يرد في «ش» .

[49]. بحار الأنوار 63 : 507 ـ 508 ، أبواب الأشربة والأواني ، الباب 3 ، ذيل الحديث 12 .

العنوان اللاحق العنوان السابق




جميع الحقوق محفوظة لموقع آية الله العظمى الشيخ الصانعي .
المصدر: http://saanei.org