Loading...
error_text
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: کتابخانه عربی
اندازه قلم
۱  ۲  ۳ 
بارگزاری مجدد   
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: مقدمــة

مقدمــة إن نزول القرآن من الغيب الربوبي وعالم القدرة الأعلى، وتجلّيه في زينة النص الأرقى في البلاغة، وتأثيره الحكيم والرؤوف في هداية الخلق... مثير للتعجب ومدهش محيّر أكثر مما نتصوّر!!

إنه كتاب: آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه([1]). الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يُضل، والمحدِّث الذي لا يكذب([2]).

( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )([3]).

كتاب لا نظير له ولا شبيه، قيّم جليل لا يمكن الإتيان بمثله; ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد )([4])، كتاب يتمتع بالعصمة والخلود، وهما سمتان لا تكسوانه لأجل التعبّد بتلاوته والتبرّك بكرامة هذه النسخة الإلهية، وإنما لما فيه من جذور ضاربة في الحكمة السامية والرحمة الشاملة العامة، حيث رسالته إضاءة زوايا الروح والفكر وخبايا نفوس البشر، وعلاقاتُ حدودها، وحقوقها مع بعضها، كما علاقات الجميع مع خالق الكلّ، وكذلك إضاءة علاقة أعمال الناس بنتائج هذه الأعمال.

وبتحلّي هذا الكتاب بهاتين الخاصيتين ـ أي العصمة والخلود ـ يستوعب الأفكار كلّها، ويمنح البصائر بسطاً وسعة، ويوقد أكثر فأكثر مشاعل الإيمان في القلوب، ويُذهب بظلمات الأوهام والأحقاد من أرواح البشر وعقولهم، إنه يبسط دائرة الطهارة وألوان النقاء، ويجمع بساط القبائح والدناءات، ويكسر القيود التي كانت تحيط في ظلّ سلطة الجاهلية بيد الفكر وقدميه: ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَْغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )([5]).

إنه يرفع عالياً نداء تكبير الحرية والتحرّر، وينشر ظلال الرحمة الإلهية ويبسطها، ويسمو.. بالعزة والرفعة والشموخ، حتى يرفع المؤمنون الشامخون بقبضاتهم الحديدية التي تقف خلفها إرادات فولاذية.. يرفعوا سيف العدالة على أعتاقهم، فيحملوا على هذا العالم المليء بالكفر، فيزيلوا في أقرب زمان سُتر الشرك الكثيفة ويمزّقوها، فيحطموا أشباح السلطة والقهر من أمام مرأى الناس المظلومين والمرعوبين، ثم يضيؤا مشاعل الهداية والرشاد في أعماق الصدور، فيقودوا ذلك المجتمع الطبقي الملوّث بالشرك نحو نظام عالمي إلهيّ يحكمه العدل العام.

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ )([6]).

أما محمد فهو الآتي بهذا الكتاب السماوي، ورسالته ونبوّته مشروع عام جامع مستوعب للجوانب جميعها، معتدل، متوازن، منتج ومثمر، حاو لتمام المشاريع العامة والجزئية، كما لتمام النبوّات والرسالات، إنه حارسها وحافظها دون استثناء، تعلوه سمة الأبدية والخلود.

( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ )([7]).

من هنا، كانت نبوّته الحلقة الأخيرة في مسلسل النبوّات، فلم يأتِ نبيّ بعده، ولن يأتي أبداً.

«بأبي أنت وأمي يا رسول الله، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والإنباء وأخبار السماء»([8]).

لقد بعث الإله العالم الحكيم بحكمته محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأودعه تمام أحكام شريعته، فعلّمه إيّاها على ضوء الوحي والإلهام، وأوكل إليه مهمة هداية الخلق لعبوديّته، فجعله شارحاً لدينه وشارعاً.

من هنا، كانت سنّته المصدر الثاني للأحكام الإلهية بعد القرآن الكريم، وقد سعى (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام بعثته لنشرها وتبليغها.

وبهذه الحكمة الربانية وما تستدعيه خاتمية الرسالة، وبأمر من الله سبحانه، وبناء على وصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، تصدّى أئمة الشيعة لشرح الشريعة وتفسيرها، كلّ حسبما تقتضيه ظروف زمانه الاجتماعية والسياسية، والثقافية، من علي بن أبي طالب(عليه السلام)، والحسن المجتبى(عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام)، والإمام السجاد(عليه السلام)، والإمام الباقر(عليه السلام)، والإمام الصادق(عليه السلام)، والإمام الكاظم(عليه السلام)، والإمام الرضا(عليه السلام)، والإمام الجواد(عليه السلام)، والإمام الهادي (عليه السلام)، والإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، وصولاً حتى الإمام المهدي (عج)، واحداً تلو الآخر.

لقد بيّن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مرات ومرات، وبأساليب وتعابير هامّة وكثيرة ومتعدّدة، فقال: «إني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي ـ أهل بيتي ـ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»([9]).

وقال: «أيها الناس! إن الله أمركم في كتابه الصلاة فقد بيّنها لكم، والزكاة والصوم والحج فبيّنها لكم وفسّرتُها، وأمركم بالولاية، وإني أشهدكم لهذا خاصّة، ووضع يده على عليّ بن أبي طالب، قال: ثم لابنه بعده، ثم للأوصياء من بعدهم من ولدهم، لا يُفارقون القرآن، ولا يفارقهم القرآن، حتى يردوا عليّ الحوض»([10]).

من هذا المنطلق، كانت كلماتهم ـ إلى جانب القرآن المجيد والأحاديث الواصلة بالقطع واليقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من مصادر الأحكام الشرعية ومعارف التشريع، ومع كونها أوّل تفسير للقرآن، إلاّ أنّها أيضاً أحد مصادر الشريعة التي تقف إلى جانبه، وقد خضعت من الناحية المضمونية والقانونية وبشكل عميق وشامل للدرس والنظر والتحقيق من جانب علماء الحديث وفقهاء الإسلام العظام، لا سيما أتباع مذهب الإمام الصادق(عليه السلام) وأنصار مدرسته، وفي الوقت عينه كانت كلماتهم مصدراً من مصادر الفكر والمعرفة الإسلامية، ويمكن القول بضرس قاطع: إن تمام جهات هذا الفكر وزواياه مثل الكلام والفلسفة والفقه، وحتى الصرف والنحو واللغة، وكل العلوم التي تلعب دوراً نشطاً في استنباط الأحكام الشرعية، قد انبثقت من كلماتهم (عليهم السلام)، وبطريق أولى من القرآن الكريم، وليس هناك من نطاق أو دائرة في الفكر الإسلامي لم تلعب فيها كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ـ إلى جانب كلمات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ دوراً رئيساً، بوصفها النص المكمل والمتمم، أو الشرح والتفسير والإجلاء للنص الإلهي الوارد في القرآن الكريم.

أما اليوم، حيث عصر غيبة الإمام الثاني عشر (عج)، وبناء على الحكمة المشار إليها، فقد أوكل أئمة الشيعة (عليهم السلام) المؤمنين إلى علماء الدين والفقهاء الواعين البانين لأنفسهم بتهذيبها، والبالغين درجة المقامات العالية من العلم والعمل والتقوى، وذلك لكي ينطلقوا لهداية الخلق، فجعلوهم كالسراج المضيء أمام طريق الناس، ليحرّروهم من ظلمات الجهل بالأحكام الشرعية، وعتمة الوهم والضلالة، وليجيبوا عن أيّ فرع من الفروع بما في يدهم من القواعد العامة والأصول الكلية المستمدّة من الكتاب والسنّة ودليل العقل، ذلك أن المجتهد والفقيه إنما يطلق على من يرجع كلّ فرع إلى أصله ويعرف أيّ أصل يرجع إليه هذا الفرع أو ذاك: «قد نصب نفسه في أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه، وتصيير كلّ فرع إلى أصله»([11]).

إن الجواب عن إقبال الناس لفهم الإسلام من تمام زواياه، وأخذ معارف الدين والتكاليف الشرعية.. يقع على عاتق الحوزات العلمية، وعقدها الأمل عليها يتطلّب ـ بلا شك ـ صرف قدر رئيس من مساعي فقهاء العصر الحاضر وجهودهم.

إن الجواب عن الكثير من الشبهات، والتساؤلات التي تحيط بالفقه ومسائله، بعد انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة القائمة على نظرية ولاية الفقيه، مع ما يصحب ذلك من حضور الفقه في الساحة ومعترك حياة الناس.. ذلك كلّه بات جزءاً من رسالة الفقهاء العارفين بزمانهم وعصرهم الذي يحيون فيه، معرفةً كافية جيدة، أولئك الذين يقدمون على التصدّي لتقديم أجوبة على الأحداث المتتاليات انطلاقاً من حسّ المسؤولية الذي يملكون.

لقد حظي علم الفقه ـ قياساً بعلمين آخرين هامّين هما: الكلام، والأخلاق ـ بمكانة رفيعة عالية في الحوزات العلمية، لا سيما في القرنين الأخيرين، إلى حدّ بات يمكن القول: إن الحوزات العلمية حوزاتٌ للفقه ومبانيه، أي لتلك العلوم التي تمثل مفاتيح ومداخل في عملية استنباط الأحكام الشرعية، مثل الصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، بغية التوصّل لمعرفة معاني ألفاظ الكتاب والسنّة، وكذا الاطلاع على تفسير آيات الأحكام، وعلم الرجال بما يسمح بالتعرّف على الحديث الموثوق الصدور، وتمييزه عن غيره، وكذلك الاطلاع على علم المنطق، وأصول الفقه; وذلك لأن استخراج الحكم الشرعي من الحجّة الشرعية مبني على إعمال قواعد عقلية ولفظية، وكلّ ذلك قائم على علم أصول الفقه، كما أن معرفة صحّة الاحتجاج والاستنتاج أمر رهين بعلم المنطق وقواعده.

لم يكن الاجتهاد، وهو استخراج الحكم الشرعي من الحجّة الشرعية، مبنياً في عصر الحضور على مقدّمات علمية، ذلك أن الوصول إلى المعصوم والاستفادة من كلماته كان أمراً سهلاً وميسوراً، نعم كان ذلك اجتهاداً; ذلك أن كلام المعصوم حجة شرعية.

أما في عصر الغيبة، كعصرنا الحاضر، فقد غدا ستخراج الحكم الشرعي من الحجة الشرعية مبنياً على علوم لم يعد بإمكان المجتهد تجاوزها، بل صار مجبراً على تناولها بغية استنباط الحكم الشرعي، وهذه العلوم هي ما يسمّيه الفقهاء في اصطلاحهم بمقدمات الاجتهاد.

الأمر الآخر الجدير بالذكر والتأمل هو أن إعادة قراءة موضوعات الفقه ومسائله بصورة منظمة ومنهجية تستدعي عقلية تتسم بقدر من الوعي والنضوج، عقلية تلغي الأحكام المسبقة وآراء الفقهاء والمجتهدين الكبار وتوقعاتهم على امتداد تاريخ الفقه، ثم تنشغل بالبحث والتنقيب في أدلّة الأحكام اعتماداً ـ وفقط ـ على معطيات العقل اليقيني، ذلك أن الكثير مما يتصوّر حكماً قطعياً عقلياً تفسّر الآيات والروايات على أساسه ليس سوى وهم زائف وخيال لا أساس محكم له.

من هنا، لابدّ ـ بدايةً ـ من تكوين ذهنية واقعية، ليُنطلق حينئذ منها دون تأثر بأحكام الذهن المسبقة أو بآراء الماضين وتصوّراتهم، ومع إزالة العقبات الاجتماعية والنفسية أمام مسيرة إدراك الحقيقة، لينفتح الفكر على المعطيات العلمية والمعرفية للنص القرآني ونصّ السنّة (قول المعصوم وفعله وتقريره)، والمهم أن لا يمتلك العقلَ الخوفُ من صرخات الغضب ورشقات الاتهامات المجحفة مثل الكفر، والضلالة، والفسق، من جانب ضعفاء الفكر والمعرفة والثقافة، وممن تخلو أيديهم من أيّ حجة أو برهان، أولئك الذين يكتفون في مواجهة العلماء والمفكرين بإبداء العداء..

إن رسالة الاجتهاد في عصر الغيبة هي تبيين التكاليف الدينية، وفلسفتها تحديد مسار «الحوادث الواقعة» من وجهة دينية، فالحوادث الواقعة هي تلك المسائل المختلفة التي يعرفها الإنسان المعاصر، والقسم الرئيسي في الاجتهاد هو رصد ذلك الجانب المتحوّل من حياة الإنسان، وهو ما يستدعي حضوراً حياً يجيب عن الأحداث ويهدي الإنسان في أمرها على ضوء الدين، ومثل هذه المواجهة مع هذا النوع من الحوادث يحتاج ـ وبشدّة ـ إلى شجاعة علمية.

( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً )([12]).

تدور هذه الرسالة حول بحث بديع ومنتج يتمحور حول «الربا الاستثماري»، وهذا التعبير اصطلاح جديد الظهور من مؤلّف الرسالة سماحة آية الله العظمى الشيخ يوسف الصانعي دام عزه، يقصد به «الربح» الموجود في النظام البنكي والقروض المشابهة له.

إن المباحث التي تحويها هذه الرسالة تمثل حصيلة الدروس العلمية التي كان ألقاها سماحته ـ قبل تدوينها ـ على طلابه في المدرسة الفيضية، ثم عاد ودوّنها بعد مزيد من الدقة والتأمل.

وحيث لا مصان عن الخطأ والاشتباه عدا الأولياء المعصومين(عليهم السلام)، لا يرى المؤلف نفسه مصوناً كذلك، بل إنه يرحّب متواضعاً بكل نقد منصف وعلمي وأمين ونزيه من جانب أصحاب الرأي، وكلّه اعتقاد بأن نقد الآراء والأفكار هو ما يرفع النقاب عن وجه الحقيقة، لتسفر ناصعةً جلية.
_____________________________________________________
([1]) نهج البلاغة، الخطبة: 183.
([2]) المصدر نفسه، الخطبة: 176.
([3]) النحل: 89.
([4]) فصلت: 42.
([5]) الأعراف: 157.
([6]) الحديد: 35.
([7]) المائدة: 48.
([8]) نهج البلاغة، الخطبة: 226.
([9]) العبقات، حديث الثقلين، وهو حديث يعدّ تواتره عند أهل السنة قطعياً.
([10]) الغدير 1: 166.
([11]) نهج البلاغة، الخطبة: 87.
([12]) الأحزاب: 39.
عنوان بعدیعنوان قبلی




کلیه حقوق این اثر متعلق به پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی می باشد.
منبع: http://saanei.org