Loading...
error_text
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: کتابخانه عربی
اندازه قلم
۱  ۲  ۳ 
بارگزاری مجدد   
پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی :: كتاب الخلع والمباراة

كتاب الخلع والمباراة

(457)


(مسألة 1 ـ الخلع هو الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها فهو قسم من الطلاق يعتبر فيه جميع شروطه المتقدّمة، ويزيد عليها بأنّه يعتبر فيه كراهة الزوجة لزوجها خاصّة، فإن كانت الكراهة من الطرفين فهو مباراة، وإن كانت من طرف الزوج خاصة لم يكن خلعاً ولا مباراة).
الخُلع بالضم من الخَلع بالفتح وهو النزع لغة، وفي الاصطلاح وعرف المتشرعة عبارة عن إزالة قيد النكاح بفدية من الزوجة وكراهة منها خاصة بخلاف المباراة فإنّها أيضاً وإن كان فيها الفدية لكن الكراهة فيها من الطرفين، والمناسبة بين المعنيين، اللغوي والاصطلاحي، واضحة لما في كتاب الله من أنّ (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)(1) فالزوجة في الخلع تنزع لباسها ذلك كما أنّ الزوج ينزعه في الطلاق. ثم إنّ مشروعيتهما هي ثابتة بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين:

أمّا الكتاب فقوله تعالى: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ


--------------------------------------------------------
[1] ـ البقرة (2): 187.

(458)


وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1).

أمّا السنة فقد روي عن طرق العامّة روايات، منها: ما روي عن ابن عباس «إنّها جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي بنت عبد الله ابن أبي، وكان يحبّها وتبغضه، فقالت: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا أنا ولا ثابت، ولا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر بعد الإسلام ما أصفه بغضاً، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة فإذا هو أشدّهم سواداً وأخصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فنزلت الآية، وكان قد أصدقها حديقة، فقال ثابت: يا رسول الله ترد الحديقة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما تقولين ؟ فقالت: نعم وأزيده، فقال: لا، حديقته فقط، فاختلعت منه»(2).
وعن الخاصة فهي متواترة ويأتي طرف منها في إثناء المباحث ولا بأس بذكر بعضها ; فمنها: ما رواه سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «لا يجوز للرجل أن يأخذ من المختلعة حتى تتكلّم بهذا الكلام كلّه، فقال: إذا قالت: لا أطيع الله فيك، حلّ له أن يأخذ منها ما وجد»(3).
ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحلّ خلعها حتّى تقول لزوجها: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً ولا أغتسل لك من جنابة ولاُ وطئنّ فراشك ولآذننّ عليك بغير اذنك، وقد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا، فإذا قالت
--------------------------------------------------------
[1] ـ البقرة (2): 229.
[2] ـ اُنظر جواهر الكلام 33: 3، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3: 139.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 279، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث2.


(459)


المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها» الحديث(1). ورواه الصدوق بإسناده، عن حمّاد مثله، وزاد: وقال(عليه السلام): «يكون الكلام من عندها يعني من غير أن تعلّم»(2).
وكيف كان فالنظر في الصيغة والفدية والشرائط والأحكام، أمّا الصيغة فهل يعتبر فيها صيغة خاصة أم يكفي كل لفظ دل على هذا المعنى ؟ ماضياً كان أم مضارعاً، حقيقة أم مجازاً، قريباً أو بعيداً أو كناية، كانت الجملة إنشائية أم خبرية والحق هو الثاني كما في غيره من العقود والإيقاعات. والدليل عليه ـ مضافاً إلى أصالة عدم اعتبار كل شرط شك في اعتباره، فتأمل ـ أطلاقات أدلة الخلع بل عمومات أدلة العقود على القول بأنه عقد ويؤيد ذلك قيام الإجماع على كفاية الجملة الاسمية مثل قوله «زوجتي مختلعة» أو «أنت مختلعة» وكذا يؤيّده ما يدل على حصر صيغة الطلاق في «هي طالق» أو نحوها كما مرّ فإنّه يفيد اشتراط الخصوصية هناك فقط.
والاستدلال على خصوصية اللفظ أوّلاً بكونه توقيفية وثانياً بأنّ الأصل بقاء علقة الزواج، ففيه: ما لا يخفى، لأنّ توقيفية الخلع وغيره من العقود بمعنى تأسيس الشارع له أو لغيره فهي ممنوعة، لأنّ هذه الأُمور كلّها إلاّ ما شذّ كالمتعة، هي من الأُمور التي قد أمضاها الشارع ولم يأت بها من عنده ولم يؤسّسها، فالردع يحتاج إلى الدليل، ولو سلّم فإنّ أطلاقات الخلع تكفي في الجواز، وأمّا الاستصحاب فلا وجه له مع وجود تلك الاطلاقات لتقدم الإمارة على الأصل ومن ذلك يظهر أنّ القول بحصول الخلع بغير العربية مثل اللغة الفارسية أيضاً ليس بجزاف وتحكّم، قضاءً للاطلاقات ولعدم الدليل على اعتبار العربية فيه فإنّ العربية لا تعتبر فيه.
ثم يقع الكلام في أنّ الخلع هل هو نوع من الطلاق أو نوع من الفسخ أو أمر مستقل
--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 280، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث3.
[2] ـ نفس المصدر، ذيل الحديث3.

(460)


وتظهر الثمرة في ترتب آثار كل منها عليه فإن كان طلاقاً أو فسخاً يترتب عليه آثارهما وإن كان أمراً مستقلاً فلا يترتب عليه إلاّ ما أثبته أدلة الخلع. أمّا كونه أمراً مستقلاً فلا قائل به، لانحصار إزالة النكاح في الشرع بالطلاق والفسخ فيدور الأمر بين الاحتمال الأول والثاني والظاهر من عبارات الأصحاب بل صريح غير واحد منها أنّه طلاق، خلافاً للشيخ حيث ذهب إلى أنّ الأولى أن يقال أنّه فسخ. ويدلّ على المشهور ـ مضافاً إلى أنّ الفسخ لا يملكه الزوجان بالتراضي بخلاف الطلاق فيكون طلاقاً إذ ليس هناك قسم آخر غير الفسخ والطلاق كما مرّ، وإلى أنّ الخلع فُرقة لا يملكها غير الزوج والفسخ يملكه كل منها ـ أخبار كثيرة بالصراحة أو الظهور. منها: صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائنة وهو خاطب من الخطّاب ولا يحلّ له أن يخلعها حتى تكون هي التي تطلب ذلك منه من غير أن يضربها وحتى تقول: لا أبرّ لك قسماً، ولا أغتسل لك من جنابة، ولأدخلنّ بيتك من تكره، ولاُ وطئنّ فراشك، ولا أقيم حدود الله، فإذا كان هذا منها فقد طاب له ما أخذ منها»(1).
ومنها: صحيحة الحلبي التي قد مرّ صدرها آنفاً، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها، وكانت عنده على تطليقتين باقيتين، وكان الخلع تطليقة، وقال: يكون الكلام من عندها، وقال: لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقاً إلاّ للعدّة»(2).
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني وأنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لا يحلّ له أن يأخذ منها شيئاً
--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 281، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث6.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 284، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث2.

(461)


حتى تقول: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً، ولآذننّ في بيتك بغير اذنك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلّمها حلّ له ما أخذ منها وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، وكانت بائناً بذلك، وكان خاطباً من الخطّاب»(1).
ومنها: ما رواه زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا يكون الخلع حتّى تقول: لا أطيع لك أمراً «إلى أن قال:» ولا يكون ذلك إلاّ عند سلطان، فإذا فعلت ذلك فهي أملك بنفسها من غير أن يسمّى طلاقاً»(2).
ومنها: ما عن أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام) «أنّ عليّاً(عليه السلام)كان يقول في المختلعة: إنّها تطليقة واحدة»(3).
ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الخلع والمباراة تطليقة بائن وهو خاطب من الخطّاب»(4).

واستدل لكونه فسخاً بوجوه :

احدها: أنّه ليس بلفظ الطلاق وهو لا يتحقق بالكناية،

وثانيها: لزوم الطلاق أربعاً في قوله تعالى: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الظَّالِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا


--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 280، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث4، وذيلها في الباب3، الحديث3.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث10.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 287، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث11.
[4] ـ وسائل الشيعة 22: 289، كتاب الخلع والمباراة، الباب5، الحديث2.

(462)

أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(1). لأنّه تعالى ذكر الطلاق ثلاثاً وذكر الفدية في إثنائه فلو كانت الفدية طلاقاً كان الطلاق أربعاً وهذا باطل بالاتفاق.
وثالثها: أنّ الخلع هو فرقة خلت من صريح الطلاق ونيّته فكان فسخاً كباقي الفسوخ.
ويرد عليه أوّلاً أنّ هذه الوجوه كلها على فرض الصحة اجتهاد في مقابل النصّ واعتبار في قبال السنّة. مضافاً إلى أنّها غير تامّة في نفسها ; أمّا الأول فلأنّ الخلع قسم من الطلاق كما أنّ السلم والنسيئة قسمان من البيع فهو مصداق من الطلاق لأنّ الطلاق هو الفرقة بين الزوجين وهذا قد يتحقق من غير فدية وأخرى مع الفدية فيكون «خالعتها» أو «هي مختلعة» صريحاً في الطلاق لا كناية.
وأمّا الثاني فلان قوله تعالى: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) بيان لقوله تعالى: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) فإنّه تعالى قد بين أنّ الطلاق قد يقع مع الفدية أيضاً فلا يكون قسيماً لهما حتى يستلزم كون الطلاق أربعةً بل قسماً منهما. وأمّا الثالث فلان الفسخ أيضاً يحتاج إلى نيته ونيّة الفسخ مفقود قطعاً فإنّ الفسخ عبارة عن رفع الأمر الواقع وجعله كالعدم لا دفعه كما فيما نحن فيه.
ثم لا يخفى أنّ الكلام في احتمال كونه طلاقاً أو فسخاً أو أمراً آخر يجري إن قلنا إنّه لا يحتاج مع الخلع إلى صيغة الطلاق وإلا فلا شك في أنّه طلاق ليس إلاّ.
(مسألة 2 ـ الظاهر وقوع الخلع بكلّ من لفظي الخلع والطلاق مجرداً كلّ منهما عن الآخر أو منضمّاً، فبعدما أنشأت الزوجة بذل الفدية ليخلعها الزوج يجوز أن يقول: «خلعتك على كذا» أو «أنت
--------------------------------------------------------
[1] ـ البقرة (2): 229 ـ 230.

(463)


مختلعة على كذا» ويكتفي به أو يتبعه بقوله: «فأنت مختلعة على كذا» لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بينهما بل لا يترك).
قد اختلف الأصحاب والفقهاء(رحمهم الله) في أنّه هل يقع الخلع بمجرد صيغة الخلع أم يجب إتباعها بلفظ الطلاق ؟ فيه قولان: ذهب عدّة من الأصحاب والفقهاء كجميل بن درّاج والمرتضى وابن الجنيد إلى الأول وجمع آخر منهم كالشيخ وابني زهرة وإدريس وجعفر بن سماعة والحسن بن سماعة وعلي بن رباط وابن حذيفة إلى الثاني ومنشأ القولين هو الاختلاف في الروايات، ويدلّ على كفاية مجرّد صيغة الخلع روايات كثيرة:
منها: صحيحة الحلبي، وقد مرّت، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عدّة المختلعة عدّة المطلّقة، وخلعها طلاقها من غير أن يسمّى طلاقاً» الحديث(1).

ومنها: ما أضمره سليمان بن خالد قال: قلت: «أرأيت إن هو طلّقها بعد ما خلعها أيجوز عليها ؟ قال: ولم يطلّقها وقد كفاه الخلع ولو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقاً»(2).

ومنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن الإمام الرضا(عليه السلام)«عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو تكون امرأته ما لم يتبعها بطلاق ؟ فقال: تبين منه وإن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت، فقلت: فإنّه قد روي لنا أنّها لاتبين منه حتّى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك إذا خلع، فقلت: تبين منه ؟ قال: نعم»(3).
ومنها: ما مرّ في خبر زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا يكون الخلع حتى تقول:
--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 285، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث4.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث8.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث9.

(464)

لا أطيع لك أمراً «إلى أن قال: » ولا يكون ذلك إلاّ عند سلطان، فإذا فعلت ذلك فهي املك بنفسها من غير أن يسمّى طلاقاً»(1).
واستدلّ على لزوم الاتباع بلفظ الطلاق بروايتين، احدهما ما رواه موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول(عليه السلام) قال: «المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في عدّة»(2).
وثانيهما ما رواه أيضاً، عن العبد الصالح(عليه السلام) قال: «قال الإمام عليّ(عليه السلام): المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدّة»(3).
هذا والحق هو عدم اللزوم وذلك للأخبار المستفيضة، أمّا هاتان الروايتان فهما قاصرتان عن الدلالة، لأنّ الطلاق في الروايتين إمّا بمعنى صيغة الطلاق فلا تدلان على ما يقولون به من وجوب الاتباع من غير فصل بل على لزوم الاتباع ما دامت في العدة ولو بعد فصل طويل كالشهر والشهرين وهذا مضافاً إلى أنّه لم يقل به احد مخالف للمدعى، وإمّا بمعنى الطلاق نفسه كما هو الحق بتقريب أنّ المختلعة يمكن أن يتبعها الطلاق ما دامت في العدة بأن ترجع في البذل فيراجعها الزوج ثم يطلقها، وعليه كانت الرواية أجنبية عما نحن فيه. هذا مضافاً إلى أنّه يمكن حملهما على الاستحباب والكمال. فظهر مما ذكرنا عدم تعارض الروايتين للطائفة الأولى من الروايات ولو سلمنا التعارض لابد إلاّ من حملهما على غير مقصود الأصحاب من الاستحباب والكمال أو امكان أن تصير المختلعة مطلّقة لأنّ الطائفة الأولى اظهر في الدلالة على العدم من هاتين الروايتين بل نص أو كالنص في العدم. ومنه يظهر أنّ حمل الطائفة الأولى على التقية لموافقتها لمذهب العامة غير تام لوجود الجمع الدلالي والترجيح
--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث10.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 285، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث5.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 283، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث1.

(465)


بالحمل عليها إنّما يكون في الروايات المتعارضة لا فيما كان فيها الجمع العرفي والدلالي، كما هو واضح.
وأمّا سند الرواية بطريق الشيخ تام لأنّ طريقه بعلي بن حسن بن فضال تام وعلي بن حسن بن فضال وإن كان فطحياً إلاّ أنّه ثقة من أكابر المحدثين وإبراهيم بن أبي بكر بن أبي سمال أيضاً ثقة وإن كان واقفياً وكذلك موسى بن بكر، فما في المسالك من أنّ الأول فطحي والآخرين واقفيان ضعيفان، ممنوع.
ثم اعلم أنّه لمّا كان الأصل في القول بلزوم تعقّب صيغة الطلاق هو كلام الشيخ(قدس سره)فينبغي بل يلزم ذكر كلامه(قدس سره) ثم التأمل فيه. قال:
«قال محمّد بن الحسن: الّذي اعتمده في هذا الباب وأفتي به أنّ المختلعة لابدّ فيها من أن نتبع بالطلاق وهو مذهب جعفر بن سماعة والحسن بن سماعة وعلي بن رباط وابن حذيفة من المتقدمين، ومذهب علي بن الحسين من المتأخرين، فأمّا الباقون من فقهاء أصحابنا المتقدمين فلست اعرف لهم فتياً في العمل به ولم ينقل منهم أكثر من الروايات التي ذكرناها وأمثالها، ويجوز أن يكونوا رووها على الوجه الّذي نذكر فيما بعد وإن كان فتياهم وعملهم على ما قلناه.
والّذي يدل على ما ذهبنا إليه ما رواه الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن الحكم وإبراهيم ابن أبي بكر بن أبي سمال، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول(عليه السلام) قال: «المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في عدّتها».
واستدل من ذهب من أصحابنا المتقدمين على صحة ما ذهبنا إليه بقول أبي عبد الله (عليه السلام)«لو كان الأمر إلينا لم نجز إلاّ طلاق السنة».
واستدلّ الحسن بن سماعة وغيره بأن قالوا: قد تقرّر أنّه لا يقع الطلاق بشرط والخلع من شرطه أن يقول الرجل: إن رجعت فيما بذلت فأنا املك ببضعك وهذا


(466)


شرط فينبغي أن لا يقع به فرقة.
واستدلّ أيضاً ابن سماعة بما رواه الحسن بن أيوب، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما سمعت منّي يشبه قول الناس فيه التقية وما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه».
فإن قيل: فما الوجه في الأحاديث التي ذكرتموها وما تضمّنت من أنّ الخلع تطليقة بائنة أنّه إذا عقد عليها بعد ذلك كانت عنده على تطليقتين وأنّه لا يحتاج إلى أن يتبع بطلاق وما جرى مجرى ذلك من الاحكام ؟
قيل له: الوجه في هذه الأحاديث أن نحملها على ضرب من التقية لأنّها موافقة لمذاهب العامّة وقد ذكروا(عليهم السلام) ذلك في قولهم «ولو كان الأمر إلينا لم نجز إلاّ الطلاق» وقد قدّمنا في رواية الحلبي وأبي بصير، وهذا وجه في حمل الأخبار، وتأويلها عليه صحيح.
ويدلّ على ذلك أيضاً زائداً على ما قدّمناه ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن صفوان، عن موسى، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا يكون الخلع حتى تقول: لا أطيع لك أمراً ولا ابرّ لك قسماً ولا أقيم لك حدّاً فخذ مني وطلّقني، فإذا قالت ذلك فقد حلّ له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير، ولا يكون ذلك إلاّ عند سلطان فإذا فعلت ذلك املك بنفسها من غير أن يسمى طلاقاً».
فأمّا ما رواه أحمد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) «عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك ؟ أو هي امرأته ما لم يتبعها بطلاق ؟ فقال: تبين منه وإن

(467)


شاءت أن يردّ إليها ما اخذ منها وتكون امرأته فعلت، فقلت: أنّه قد روي لنا أنّها لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق قال: ليس ذلك اذن خلع، فقلت: تبين منه ؟ قال: نعم»، فالوجه في هذا الخبر أيضاً ما قدّمناه من حمله على التقية ويكون قوله(عليه السلام)«ليس ذلك اذن خلع» عندهم ولا يكون المراد به أنّ ذلك ليس بخلع عندنا، والّذي يكشف أيضاً عمّا ذكرناه من خروج ذلك مخرج التقية، ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن سليمان بن خالد قال: قلت: «أرأيت إن هو طلّقها بعد ما خلعها أيجوز عليها ؟ قال: ولِمَ يطلّقها وقد كفاه الخلع، ولو كان الأمر الينا لم نجز طلاقاً».انتهى كلامه(قدس سره)(1).
أقول: ويرد على كلامه(قدس سره وحشرنا الله معه)
أوّلا: أنّ رواية موسى بن بكر ليست ظاهرة في مقصوده إن لم تكن ظاهرة في خلافه كما مرّ، وأمّا استدلال المتقدمين من الأصحاب فهو تامّ إن قلنا إنّ الخلع فسخ ولكن إن ذهبنا إلى أنّه طلاق كما هو الحق، لا يتم ذلك، وأمّا استدلال حسن بن سماعة
ففيه: أنّ الشرط المذكور ليس من شرائط الخلع بل هو من احكامه. مضافاً إلى أنّه لو سلّم فلا ينافي التنجيز في الخلع،
ورابعاً: استدلال ابن سماعة بموثقة عبيد بن زرارة يرد عليه أنّ الموثقة هي في الخبرين المتعارضين،
وخامساً: قول الشيخ بحمل الروايات على التقية
ففيه: أنّه إنّما هو في مورد لا يمكن جريان الجمع الدلالي وهذا بخلاف ما نحن فيه كما اشرنا إليه،
وسادساً: ما نسبه إلى الأئمة(عليهم السلام) بأنّ الروايات الدالة على عدم لزوم الاتباع صدرت تقية وذلك لقولهم(عليهم السلام) في ذيل رواية الحلبي وأبي بصير «لو كان الأمر الينا لم نجز إلاّ الطلاق»
ففيه: أنّه لو كانت العبارة الموجودة في ذيل روايتي الباب كما ذكره
--------------------------------------------------------
[1] ـ تهذيب الأحكام 8: 97 ـ 99.

(468)


الشيخ(رحمه الله)يمكن القول بأنّها تدلّ على الصدور تقية لكن الموجودة في صحيحة الحلبي هي «لو كان الأمر الينا لم نجز طلاقاً إلاّ للعدّة» وفي رواية أبي بصير «لو كان الأمر الينا لم يكن الطلاق إلاّ للعدة» وهذه لا تدلّ على ما قاله(رحمه الله) فيحتمل أن يكون المراد أنّ تكرار الطلاق بلا عدّة كما هو لغو فقوله «هي طالق» بعد «هي مختلعة» أيضاً لغو.
وسابعاً: يحتمل في هاتين الروايتين أنّ الإمام(عليه السلام) أراد أن يتكلم بهذه المناسبة، حول الطلاق أيضاً وإن لم يكن مرتبطاً بالخلع حكماً، وفي الحقيقة هو تظلّم، كما أنّه يحتمل أن يكون مراده(عليه السلام) أنّه لو كان الأمر إليهم(عليهم السلام) كانوا يرشدون الناس ويهدونهم إلى هداهم حتى لا يصل دور الخلع والمباراة، فهو ناظر إلى مقام الإجراء لا بيان الحكم.
هذا ثامناً، وأمّا تاسعاً: أنّ تصريحهم(عليهم السلام) بأنّه لو كان الأمر إليهم هو مخالف للتقية،
وعاشراً: يحتمل كون الصحيحة مجموعة من أحاديث متعدّدة فلا يكون الذيل شاهداً على كون الصدر صادراً عن التقية، نعم لا يأتي هذا الاحتمال في خبر أبي بصير. وتلك عشرة كاملة والمتحصل من جميع ما ذكر أنّ الحق هو ما جاء في المتن ولا يحتاج مع صيغة الخلع إلى صيغة الطلاق، نعم الاحوط هو الجمع بينهما.
(مسألة 3 ـ الخلع من الإيقاعات لكن يشبه العقود في الاحتياج إلى طرفين وانشائين: بذل شيء من طرف الزوجة ليطلّقها الزوج وإنشاء الطلاق من طرفه بما بذلت، ويقع ذلك على نحوين: الأول ـ أن يقدم البذل من طرفها على أن يطلّقها على ما بذلت. الثاني ـ أن يبتدئ الزوج بالطلاق مصرّحاً بذكر العوض فتقبل الزوجة بعده، ولا ينبغي ترك الاحتياط بإيقاعه على النحو الأول).
لأنّ عمل الزوجة أشبه شيء بالإيجاب وعمله أشبه بالقبول.


(469)


(مسألة 4 ـ يعتبر في صحة الخلع عدم الفصل بين إنشاء البذل والطلاق بما يخل بالفورية العرفية، فلو اخلّ بها بطل الخلع ولم يستحق الزوج العوض).
وذلك لاعتبار عدم الفصل بما يخلّ بالفورية العرفيّة في العقود وما شابهها فإنّ العرف والعقلاء لا يعدون الإيجاب والقبول مع الفصل الطويل بينهما عقداً وكذلك ما شابه الإيجاب والقبول. هذا مضافاً إلى أنّه القدر المتيقن من الفتاوى والنصوص.
(لكن إذا أوقعه بلفظ الطلاق أو اتبعه بذلك وقع الطلاق رجعياً مع فرض اجتماع شرائطه وإلاّ كان بائناً).
وذلك لإجراء صيغة الطلاق من دون فدية، والإشكال بأنه لا يوجد إلاّ رضا واحدٌ وهو مقيّد بالبذل فكيف يصح طلاقه بدونه، مدفوع نقضاً بأنّ الشرط الفاسد في العقود بـل النكاح لا يكون مفسداً على المشهور بين الأصحاب مـع أنّ الإمام الرضـا مقيد بالشرط فكذلك في الطلاق، وحلاًّ بأنّ بناء العقلاء والعرف في العقود وشبهها وكذا الإيقاعات هو فصل الالتزامات بعضها من بعض ولا اقل من ذلك في الشرع للروايات الكثيرة الواردة في الأبواب المختلفة الدالة على أنّ الشرط الفاسد ليس بمفسد(1).
--------------------------------------------------------
[1] ـ لكن مع ذلك كله، في النفس شيء بل يمكن منع ذلك فإنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد وخاصة إذا كان المفروض اجتماع شرائط البائن فإنّه لا يبقى محلّ لرجوع الزوج وهو مخالف لما كان يريده البتة ومع الشك فالأصل بقاء الزوجية، كما أنّ الأصل عدم تحقق الطلاق رجعياً كان أو بائناً، وأمّا بناء العقلاء والعرف ففيه: أنّ هذا البناء إن لم يكن على خلافه فلا اقل من تفاوته باختلاف الموارد، نعم إن أحرز تعمّده في الإخلال بالفورية أو قل: إن لم يحرز خطأه في ذلك، فالأمر كما ذكر وإلاّ فوقوعه رجعياً أو بائناً مشكل فلا يترك الاحتياط ويؤيده ما سيأتي من كلام الأستاذ في المسألة الثامنة فيما إذا أرادت الزوجة الخلع فطلّقها بعوض، أو الطلاق بعوض فخلعها، من انّه لو ثبت قصدها هذه الصيغة الخاصة أو تلك الصيغة فلا يصح. «المقرر»

(470)

ثـم في العبارة مسامحـة فإنّ شرائط الرجعي والبائن لا اختلاف فيها بل هـو يرجع إلى أركانهما والأمر سهل.
(مسألة 5 ـ يجوز أن يكون البذل والطلاق بمباشرة الزوجين أو بتوكيلهما الغير أو بالاختلاف، ويجوز أن يوكّلا شخصاً واحداً ليبذل عنها ويطلّق عنه، بل الظاهر أنه يجوز لكل منهما أن يوكّل الآخر فيما هو من طرفه، فيكون أصيلاً فيما يرجع إليه ووكيلا فيما يرجع إلى الطرف).
وذلك كله قضاءً لإطلاق أدلة الوكالة وأدلة الخلع، كما هو واضح.
(مسألة 6 ـ يصح التوكيل من الزوج في الخلع في جميع ما يتعلّق به من شرط العوض وتعيينه وقبضه وإيقاع الطلاق، ومن المرأة في جميع ما يتعلّق بها من استدعاء الطلاق وتقدير العوض وتسليمه).
وهو أيضاً قضاءً لإطلاق الأدلة في الوكالة والخلع.

(مسألة 7 ـ لو وقع الخلع بمباشرة الزوجين فإمّا أن يبتدئ الزوجة وتقول: «بذلت لك أو أعطيتك ما عليك من المهر ـ أو الشيء الفلاني ـ لتطلّقني» فيقول فوراً «أنت طالق ـ أو مختلعة ـ بكسر اللام ـ على ما بذلت ـ أو على ما أعطيت ـ » وإمّا أن يبتدئ الزوج


(471)


فيقول: «أنت طالق ـ أو مختلعة ـ بكذا أو على كذا» فتقول فوراً: «قبلت» وإن وقع من وكيلين يقول وكيل الزوجة مخاطباً لوكيل الزوج: «عن قبل موكلتي فلانة بذلت لموكلك ما عليه من المهر ـ أو المبلغ الفلاني ـ ليخلعها ويطلّقها» فيقول وكيل الزوج فوراً: «زوجة موكلي طالق على ما بذلت» وقس على ما ذكر سائر الصور المتصوّرة لكن لا ينبغي ترك الاحتياط المتقدم أي الجمع بين الصيغتين، بل لا يترك).
وذلك لذهاب بعض الأصحاب إليه، كما مرّ تفصيله.
(مسألة 8 ـ لو استدعت الزوجة الطلاق بعوض معلوم فقالت له: «طلّقني ـ أو اخلعني ـ بكذا» فيقول: «أنت طالق ـ أو مختلعة ـ بكذا» ففي وقوعه اشكال، فالاحوط إتباعه بالقبول منها بأن تقول بعد ذلك: «قبلت»).
والاشكال ناشئ من أنّ الخلع هل هو معاوضة أو إيقاع والثاني هو الأقوى لعدم اعتبار العوض في مفهومه وأنّ إنشاء الطلاق مستقل وذكر الفدية فيه غير لازم وإن كان الباعث له عليه هو البذل ولذا يصير رجعياً إن رجعت في البذل أو بذلت ما لا تملكه مع أنّه لو كان معاوضة كان فاسداً لتقوم المعاوضة بالطرفين. هذا مع ما يقال من عدم الحاجة في العقود أيضاً إلى القبول بل يكفى الإيجاب من الموجب والرضا من الطرف الآخر كما احتمله سيدنا الأستاذ سلام الله عليه في كتاب البيع فيكفي الاستدعاء ولا يحتاج إلى قبولها لعدم كونه معاوضة أوّلاً ودلالة الاستدعاء على الرضا ثانياً. ومن ذلك يظهر عدم وجوب ذكر البذل أو الإشارة إليه، بل يكفي قصده أيضاً.

(472)


فرعان

الأول: لو طلبت منه الطلاق بعوض فخلعها مجرداً عن لفظ الطلاق أو طلبت منه الخلع بعوض فطلقها به يقعان صحيحين لأنّ حقيقة الطلاق والخلع واحدة كما مرّ كالوحدة المتحققة بين بيع النقد والنسيئة والسلف فإنّ الطلاق هو إزالة قيد النكاح والخلع هو الإزالة مع قيد البذل، فالطلاق اعم من الخلع، فكلّ خلع طلاق دون العكس. والقول بأنّ معنى «طلّقني بعوض» هو إجراء الخلع بصيغة الطلاق بعوض فما طلب لم يقع وما وقع غير مطلوب لها، مدفوع بأنّ ذلك خلاف ما يجري في العادة فإنّ العادة عدم الخصوصية لصيغة خاصة فلا يحمل عليه كما أنّ قول المشترى «بع لي هذا الكتاب بكذا» مثلاً لا يحمل على إرادة نقله بصيغة «بعت» بحيث لو باعه بغيرها ـ والفرض أنّه بيع ـ كان غير موكل فيه. نعم إن ثبت قصدها الخصوصية يشكل بأنّ ما طلبت لم يقع وما وقع غير مطلوب لها.
هذا ولكن المحقق(قدس سره) قد فصّل بين الصورتين بقوله: «لو طلبت منه طلاقاً بعوض فخلعها مجرداً عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين ولو طلبت خلعاً بعوض فطلّق به لم يلزم البذل على القول بوقوع الخلع بمجرّده فسخاً ويقع الطلاق رجعياً ويلزم، على القول بأنّه طلاق أو أنّه يفتقر إلى الطلاق»(1).
ولكنه ليس بتام بعد أن ذهبنا إلى أنّ الطلاق والخلع واحد وليس الخلع بفسخ، وما في المسالك في ذيل الفرع الأول ـ لو طلبت منه طلاقاً بعوض فخلعها مجرداً عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين ـ من توجيه عدم الوقوع بقوله: «فإنّا إن قلنا أنّه فسخ
--------------------------------------------------------
[1] ـ شرائع الإسلام 3: 36 ـ 37.

(473)


فكونه خلاف ما طلبته واضح وإن جعلناه طلاقاً فهو طلاق مختلف فيه وما طلبته لا خلاف فيه فظهر أنّه خلاف مطلوبها على القولين»(1) يدفعه أنّ الخلاف فيه لا ينافي كونه مصداقاً لما طلبته بعد تنقيح الحال فيه من اتحادهما حقيقة وماهية فالمطلوب واقع والواقع مطلوب.
الثاني: لو ابتدأ فقال: «أنت طالق بألف أو وعليك ألف» فقبلت، يقع خلعاً في كلا الفرضين، خلافاً للشهيد في المسالك حيث ذهب إلى عدم وقوعه خلعاً في الثاني بقوله: «لأنّها صيغة أخبار لا صيغة التزام، إذ لم يسبقه استيجاب يدلّ عليه ولم يجعله عوضاً بل جعله معطوفة على الطلاق فلا يتأثر بها وتلغو في نفسها كما لو قال: «أنت طالق وعليك حج» وإن قبلت لأنّ قبولها إنّما وقع رضا بما فعل ولم يقع منه ما يقتضي المعاوضة»(2). وفيه ما لا يخفى فإنّ البذل كما قلنا ليس ركناً في الخلع كالمهر في النكاح بل هو أدون منه، غاية الأمر أنّ الباعث له هو البذل فمع تحقق هذه الباعثية والداعوية يقع الطلاق خلعاً سواء كان اللفظ ظاهراً في ارتباط الطلاق به أم لا، بل كان مراده معلوماً من دون ظهور في اللفظ.

(مسألة 9 ـ يشترط في تحقق الخلع بذل الفداء عوضاً عن الطلاق، ويجوز الفداء بكل متموّل من عين أو دين أو منفعة قلّ أو كثر وإن زاد على المهر المسمّى، فإن كان عيناً حاضرة تكفي فيها المشاهدة، وإن كان كليا في الذمة أو غائباً ذكر جنسه ووصفه وقدره، بل لا يبعد أن يكون الأمر فيه أوسع من ذلك، فيصحّ بما

--------------------------------------------------------
[1] ـ مسالك الأفهام 9: 376.
[2] ـ نفس المصدر: 377.

(474)

يؤول إلى العلم كما لو بذلت ما في الصندوق مع العلم بكونه متموّلا، ويصحّ بما في ذمة الزوج من المهر ولو لم يعلما به فعلا، بل في مثله ولو لم يعلما بعد أيضاً صح على الأقوى).

توضيح ذلك: أنّه يشترط في الفدية أن تكون عوضاً عن نكاح قائم لم يعرض له الزوال لزوماً كالبائن ولا جوازاً كالرجعي وذلك لأنّها عوض عنه ولأنّ المستفاد من الأحاديث أنّ الخلع بمنزلة الطلاق، بل قلنا أنّه طلاق فكما يعتبر في الطلاق أن يكون عن نكاح قائم فكذا في الخلع وكيف كان فقد صرّح غير واحد من الأصحاب، بل لا خلاف فيه، بأنّ كل ما يصح أن يكون مهراً صح أن يجعل فدية، من قليل أو كثير، ومن عين أو منفعة، ومن شخصي أو كلّي.
هذا وقد ذكر صاحب الجواهر(1) للقاعدة ثلاثة وجوه:

احدها: ارتباط الفدية بالمهر في الأخبار المتعرّضة لجواز كونها أكثر من المهر كما في صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «المباراة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، وإنّما صارت المبارية يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما يشاء لأنّ المختلعة تعتدي في الكلام وتكلّم بما لا يحلّ لها»(2).
وكذلك ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان يعني عبد الله ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الخلع لا يكون إلاّ أن تقول المرأة لزوجها: لا أبرّ لك قسماً ولأخرجنّ بغير اذنك ولأوطئنّ فراشك غيرك، ولا أغتسل
--------------------------------------------------------
[1] ـ جواهر الكلام 33: 20 ـ 19.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 287، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث1.

(475)


لك من جنابة. أو تقول: لا أطيع لك أمراً أو تطلّقني، فإذا قالت ذلك فقد حلّ له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها، وكلّ ما قدر عليه ممّا تعطيه من مالها فإن تراضيا على ذلك على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة وهو خاطب من الخطّاب» الحديث(1).
ثانيها: مشاركة الفدية له في عدم اعتبارها في مفهوم الطلاق كعدم اعتباره في مفهوم النكاح.
ثالثها: أنّه لا يعتبر فيه أزيد مما يعتبر في أصل المعاوضات من كونه متمولاً معلوماً في الجملة عيناً أو ديناً أو منفعة قليلاً كان أو كثيراً مقدوراً على تسليمه، وكيف كان فالحق أنّ كل ما يصح جعله مهراً يصح جعله فداءً، قضاءً لا طلاق قوله تعالى: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)(2) بل وإطلاق السنة من أخذه ما وجد من دون فرق بين كونه عيناً أو منفعة، كلياً أو جزئياً قليلاً أو كثيراً فتأمل فإنّها في مقام بيان عدم لزوم كونها اقل من المهر أو مساوية له بخلاف المباراة ; نعم إطلاقها وعمومها في خصوص الكثرة والقلّة تام كما تدل عليه الروايات الخاصة أيضاً مثل صحيحة زرارة السابقة وكذا صحيحته الأُخرى، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا يكون الخلع حتّى تقول: لا أطيع لك أمراً ولا ابرّ لك قسماً ولا أقيم لك حدّاً فخذ منّي وطلّقني، فإذا قالت ذلك فقد حلّ له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير» الحديث(3).
ثم أنّه كما لا يعتبر في المهر العلم التفصيلي بل يكفي ما يؤول إلى العلم فيما بعد، نحو ما في الصندوق وما في كمّي ونحوهما فكذلك الفدية في الخلع لإطلاق الآية الشريفة واطلاقات العقود والمعاوضات وإطلاق أدلة الخلع مع التأمل في الأخير. نعم الجهل
--------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث4.
[2] ـ البقرة (2): 229.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 288، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث5.

(476)


المطلق الذي لا يؤول إلى العلم مضرّ، مثل شيء من الأشياء أو بعض ما يتمول أو نحو ذلك مما هو مثار النزاع، نعم يترائى في كلام الشرائع شبه تهافت إن لم يكن عين التهافت، فإنّه قال: يكفي المشاهدة في العين الحاضرة بخلاف الكلّي في الذمة فإنّه لابدّ فيه من العلم بجنسه ومقداره ووصفه. مع أنّهما يرتزقان من لبن واحد ولقد أجاد نفسه في المختصر النافع بعدم الفرق بينهما، فراجع إن شئت.

(ويصح جعل الفداء إرضاع ولده لكن مشروطاً بتعيين المدّة).

وذلك قضاء للقاعدة.
(ولا تبعد صحته بمثل قدوم الحاج وبلوغ الثمرة، وان جعل كليا في ذمتها يجوز جعله حالاً ومؤجلاً مع تعيين الأجل ولو بمثل ما ذكر).

وذلك لكفاية التعيين.

(مسألة 10 ـ يصح بذل الفداء منها ومن وكيلها بأن يبذل وكالة عنها من مالها أو بمال في ذمتها).

وذلك لأنّ بذله بذلها، كما هو واضح.

(وهل يصح ممّن يضمنه في ذمته باذنها فيرجع إليها بعد البذل بأن تقول لشخص: «اطلب من زوجي أن يطلقني بألف درهم مثلا عليك وبعد ما دفعتها إليه ارجع عليّ» ففعل ذلك وطلّقها الزوج على ذلك ؟ وجهان بل قولان، لا يخلو ثانيهما من رجحان).
من أنّ المطلوب في الخلع هو كون الطلاق بعوض وفدية والفدية هنا وإن لم تكن


(477)


من المرأة مباشرة وابتداءً لكنها ترجع إليها في النهاية وذلك المقدار منها كاف فيه، ومن أنّ القدر المتيقن من الأدلة بل ظاهر الآية الشريفة هو كون الفدية منها والفدية هنا ليست منها حقيقة وأدائها فيما بعد لا يوجب صدق «فديتها عليّ» بنحو الحقيقة بل يعد غرامة منها مع أنّه ضمان ما لم يجب وهو باطل عند الامامية.
(كما انه لا يصح من المتبرع الّذي لا يرجع عليها، فلو قالت الزوجة لزوجها: طلّقني على دار زيد أو ألف في ذمته فطلّقها على ذلك وقد أذن زيد أو أجاز بعده لم يصح الخلع).
لما مرّ.
(ولا الطلاق الرجعي ولا غيره إلاّ إذا أوقع بلفظ الطلاق أو اتبعه بصيغته).
وهذا هو موافق لكلام المحقق في الشرائع وهو لا يختصّ بالمسألة بل يعمّ الفروع المماثلة كما إذا خلعها على مال الغير مع العلم بأنّ المال مال الغير، أو على غير المملوك كالخمر، أو على ما لا يتموّل.
ووجه التفصيل أنّ المعتبر في الخلع هو الفدية وهو كالمعاوضة فإذا بطلت الفدية بطل الخلع وأمّا إذا وقعت صيغة الطلاق بعده يقع رجعياً، لأنّ الطلاق المتعقب له أمر مستقل برأسه واجد لشرائطه، ولكن الحق تبعاً لصاحب الجواهر أنّه يقع رجعياً مطلقاً بعد بطلان الفدية، من دون فرق بين اتباعه بصيغة الطلاق أم لا، بل وصيغة الطلاق وحدها أمّا عدم كونه خلعاً فواضح لبطلان الفدية الموجب لعدم تحقق الخلع الذي هو طلاق بائن وأمّا وقوع الطلاق فلان الفدية ليست من أركانه ولا من شرائطه حتى يكون انتفائها موجباً لانتفائه بل هي باعثة عليه فبطلان الفدية لا يوجب بطلان أصل الطلاق ولا فرق بين اتباعه بالطلاق وعدمه لوحدة حقيقة الخلع والطلاق

(478)


والمراد من الطلاق المتعقب له هو الخلع أي الطلاق بعوض فذكر صيغة الطلاق بعده لا يزيد على الخلع بل هو نفسه.

(مسألة 11 ـ لو قال أبوها: «طلّقها وأنت بري من صداقها» وكانت بالغة رشيدة فطلقها صح الطلاق وكان رجعياً بشرائطه والشرط المتقدم في المسألة السابقة، ولم تبرأ ذمته بذلك ما لم تبرأ، ولم يلزم عليها الإبراء ولا يضمنه الأب).
لما مرّ، وفيه ما مرّ أيضاً.

(مسألة 12 ـ لو جعلت الفداء مال الغير أو ما لا يملكه المسلم كالخمر مع العلـم بذلك بطل البذل فبطل الخلع وصار الطلاق رجعياً بالشرط المتقدم).
ولقد جاد صاحب الجواهر في بيان المسألة والنقض والإبرام عليها فكان الاكتفاء به حسن، قال في الجواهر ممزوجاً بما قاله المحقق:
«ولو كان الفداء ممّا لا يملكه المسلم» عالمين به «كالخمر» والخنزير فسد البذل بلا إشكال ولا خلاف، لاشتراط المالية فيه، بل قيل: «فسد الخلع» لفساد المعاوضة حينئذ «وقيل» والقائل الشيخ: «يكون» الطلاق «رجعياً» لما عرفت من عدم اعتبار العوض في مفهومه، وأن إنشاء الطلاق مستقل وإن كان الباعث له عليه البذل المزبور، إلاّ أنّ أقصاه عدم كونه بائناً، لفحوى ما تسمعه من النصوص المتضمنة لكون الطلاق رجعيّاً لو رجعت بالبذل.
«و» لكن قال المصنّف: «هو حقّ إن أتبع بالطلاق، وإلاّ كان البطلان أحقّ» ولعلّه لأنّه مع الاقتصار على الخلع لا يتحقق صحة الطلاق مع فساد العوض، لأن الخلع

(479)


الذي يقوم مقام الطلاق أو هو الطلاق ليس إلاّ اللفظ الدّال على الإبانة بالعوض، فبدونه لا يكون خلعاً، فلا يتحقق رفع الزوجية بائناً ولا رجعيّاً، وإنّما يتم إذا أتبعه بالطلاق ليكونا أمرين متغايرين لا يلزم من فساد أحدهما فساد الآخر فيفسد حينئذ الخلع لفوات العوض، ويبقى الطلاق المتعقب له رجعيّاً لبطلان العوض الموجب لكونه بائناً، وفي المسالك هو الأقوى.
وفيه أوّلا: أن الشيخ قد عرفت أنه ممّن يوجب اتباع الخلع الطلاق، فلا وجه للتفصيل في كلامه.
وثانياً: أن الطلاق المتبع به الخلع لا يراد به إلاّ الطلاق بالعوض، وليس هو إنشاء مستقلا، وقد سمعت سابقاً من المسالك أنه هو المملّك للعوض، وأنّ تقدّم الخلع عليه قليل الفائدة، بل يمكن فرض مسألة المقام في كون الخلع بلفظ «أنت طالق بكذا من الخمر» من دون سبق الخلع، ولا وجه للصحّة فيه رجعيّاً إلاّ بناءً على ما ذكرناه من عدم المعاوضة في ذلك حقيقة.
ومنه ينقدح وجه الصحّة رجعيّاً لو كانت الصيغة بلفظ «خلعت» أيضاً وإن لم نجوّز وقوع غير الطلاق بعوض بها، لما عرفت من كون الخلع طلاقاً وإن كان مورده خاصّاً، فتارة يصح وأخرى يبطل لفقد شرط من شرائطه، ولكنه لا يبطل أصل الطلاق الحاصل به كما يومئ إليه ما تسمعه من النص والفتوى في صيرورة الطلاق رجعيّاً لو فسخت البذل ورجعت به، من غير فرق بين كون الخلع قد كان بلفظ «خلعتك على كذا» وبين «أنت طالق بكذا» وما ذاك إلاّ لصحة وقوع الطلاق به في مورده وإن لم يسلم بفسخ للبذل أو بفقد شرط من شرائطه.
واحتمال الجمود على خصوص مورد النص مناف لقاعدة الاستنباط المستفادة من فحاوي الأدلة المشار إليها بقولهم(عليهم السلام) «لا يكون الفقيه فقيهاً حتى تلحن له فيعرف ما

(480)


تلحن له»(1) وغيره، هذا كله مع العلم». انتهى كلامه(قدس سره)(2).

(ولو جعلته مال الغير مع الجهل بالحال فالمشهور صحة الخلع وضمانها للمثل أو القيمة، وفيه تأمل).

وذلك لأنّ فقد الشرط موجب للبطلان والجهل لا يوجب الصحة، كما لو تبيّن فقد شرط في أركان العقد.
وفيه: أنّ الفدية ليست من أركان الطلاق كما مرّ بل هي مقوّمة للخلع.

(مسألة 13 ـ يشترط في الخلع على الأحوط أن تكون كراهة الزوجة شديدة بحيث يخاف من قولها أو فعلها أو غيرهما الخروج عن الطاعة والدخول في المعصية).

لا اشكال ولا خلاف في أنّه يشترط في الخلع الكراهة من جانب الزوجة وحدها لا منه فلا يجوز اخذ العوض ولا منهما فيكون مباراة بل عليه الإجماع، مضافاً إلى النصوص المستفيضة إن لم تكن متواترة ولكن قد يقع الكلام في أنّه هل يعتبر فيه الكراهة ام يكفي فيه خوف عدم إقامة حدود الله والوقوع في الفتنة ؟ وعلى الأول فهل يعتبر فيه مطلق الكراهة أو الكراهة الشديدة بحيث يخاف الخروج من طاعة الله تعالى وحدوده وعلى الفرضين فهل يشترط فيه إسماع معاني الأقوال المذكورة في النصوص مثل قولها «لا اغتسل لك من جنابة ولا أقيم لك حداً ولاُ وطئنّ فراشك من تكرهه» أو يكفي تفهيمها قولاً أو عملاً أو يكفي كون أفعالها وأقوالها بحيث لها شأنية الخروج
----------------------------------------------------------------
[1] ـ مستدرك الوسائل 17: 344، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب15، الحديث5.
[2] ـ جواهر الكلام 33: 22 ـ 23.

(481)


من الطاعة ؟ احتمالات ووجوه وقد ادعى ابن إدريس الإجماع على اشتراط الخلع بأن يسمع منها ما لا يحل ذكره أو يعلم ذلك منها فعلاً فإنّه قال ما هذا لفظه:
«فأمّا إذا كانت الحال بين الزوجين عامرة، والأخلاق ملتئمة، واتفقا على الخلـع، فبذلت لـه شيئاً على طلاقها، لم يحلّ لـه ذلك، وكان محظوراً، لإجماع أصحابنا على أنّه لا يجوز له خلعها، إلاّ بعد أن يسمع منها ما لا يحل ذكره، من قولها: «لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك حدّاً، ولا ُوطئنّ فراشك من تكرهه» أو يعلم ذلك منها فعلاً، وهذا مفقود هيهنا، فيجب أن لا يجوز الخلع، وأيضاً قوله تعالى: (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ )(2).
هذا ولكن الحق في صحة الخلع هو تحقق خوفه أو خوفها من خروج الطاعة وإن لم تتحقق الكراهة من جانبها فضلاً عن الكراهة الموجبة للخروج وفضلا عن اعتبار تلك الألفاظ، والدليل عليه قوله تعالى: (إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)(3) والقول بأنّ الآية الشريفة إنّما تفيد جواز الافتداء من دون دلالة على أنّ الطلاق خلع وبائن حتى يترتب عليه احكامه مدفوع بأنّ ما ورد في الخلع من السنة وفتاوى العلماء ناظر إلى الآية الشريفة.
إن قلت: فلماذا لم يتعرض الروايات لخوف خروج الزوج عن الطاعة ولو إشارة ؟
قلت: لأنّها واردة مورد الغالب وافتداء الزوجة لخوف خروج الزوج عن الطاعة
-------------------------------------------------------------------------
[1] ـ البقرة (2): 229.
[2] ـ السرائر 2: 724.
[3] ـ البقرة (2): 229.

(482)


فرض نادر، ومنه يظهر أنّه لا موضوعية لتلك الألفاظ والجملات المذكورة في النصوص بل طريق لبيان أنّ المناط هو خوف خروجهما من طاعة الله والدخول في معصيته تعالى الناشئة عن هذا النكاح، سواء كانت في حقوق الزوجين أو في غيرها من سائر حدود الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1) كترك صلاة الفجر مثلاً فمع الخوف من عدم إقامتهما حدود الله تعالى يحل للزوج اخذ العوض ويصح الخلع ويقع بائناً.
واستدلّ لاشتراط إظهارها الألفاظ الخاصّة، بأنّ الأصل عدم وقوع الخلع من دون تفهيم هذه الجملات، وبالنصوص التي قد مرّت ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحلّ خلعها حتّى تقول لزوجها: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً ولا أغتسل لك من جنابة ولاُ وطئنّ فراشك ولآذننّ عليك بغير اذنك، وقد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا، فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها» الحديث(2).
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني وأنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لا يحلّ له أن يأخذ منها شيئاً حتى تقول: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً، ولآذننّ في بيتك بغير اذنك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلّمها حلّ له ما اخذ منها» الحديث(3).

وغيرهما من الأخبار، وهذا خلافاً لروايتين أخريين :

احديهما: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا قالت المرأة لزوجها جملة «لا أطيع لك أمراً» مفسّراً وغير
-----------------------------------------------------------------------
[1] ـ البقرة (2): 229.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 280، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث3.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 280، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث4.

(483)


مفسر حلّ له ما أخذ منها وليس له عليها رجعة»(1).
وثانيتهما: موثقة سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «لا يجوز للرجل أن يأخد من المختلعة حتى تتكلّم بهذا الكلام كلّه، فقال: إذا قالت: «لا أطيع الله فيك، حلّ له أن يأخذ منها ما وجد»(2). كما أنّ اختلاف تلك الألفاظ نفسها شاهدة على عدم اشتراطها، والعمدة أنّها كلّها ناظرة إلى الآية ويكفي في صحته خوف وقوع الزوج أو الزوجة في المعصية والخروج عن الطاعة من أي طريق حصل فلا يعتبر فيه الكراهة فضلا عن الكراهة الشديدة وفضلاً عن اعتبار تلك الألفاظ.
(مسألة 14 ـ الظاهر انه لا فرق بين أن تكون الكراهة المشترطة في الخلع ذاتية ناشئة من خصوصيات الزوج كقبح منظره وسوء خلقه وفقره وغير ذلك وبين أن تكون ناشئة من بعض العوارض مثل وجود الضرّة وعدم إيفاء الزوج بعض الحقوق الواجبة أو المستحبة).
وذلك قضاءً لإطلاق أدلة الخلع من الكتاب والسنة خلافاً لما حكاه في الحدائق عمّن عاصره من مشائخ بلاد البحرين من اعتبار الكراهة الذاتية ولا فرق في الكراهة العرضيّة بين تركه الحقوق الواجبة أو المستحبة ولا بين تركه لغرض الجائها إلى بذل الفداء أم لا.
لا يقال: إلجائها إلى بذل الفدية ومطالبة الخلع اكراه وهو يوجب بطلان الخلع والفدية فلا يقع إلا أصل الطلاق دون الخلع.
------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 279، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث1.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 279، كتاب الخلع والمباراة، الباب1، الحديث2.

(484)


لأنّه يقال: إنّ الإكراه أمر عرفي لا يصدق في مثل ما نحن فيه للفرق بين اكراه الغير على فعل وبين الاتيان بما يضطر به فيختاره فإنّها مضطرة إلى بذل الفداء لا مكرهة ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه قوله تعالى: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)(1). فإنّه يدل على صحة الفدية مع الإعضال لعدم امكان النهي عنه مع بطلان الفدية وهذا نظير ما استدل به أبو حنيفة لدلالة النهي عن العبادات والمعاملات على الصحة بتقريب أنّ متعلق النهي لابد أن يكون مقدوراً بعد النهي ليمكن موافقة النهي ومخالفته والنهي لو دل على بطلان العبادة أو المعاملة لما كان المكلف قادراً على اتيان متعلق النهي لعدم تعلق النهي بما يكون فاسداً منهما إذ لا حرمة في الفاسد منهما.
فالصحيح منهما غير مقدور لدلالة النهي على فساده والفاسد منهما غير متعلق للنهى فلو اقتضى النهي الفساد يلزم أن يكون النهي سالباً لقدرة المكلف على مخالفته وكذا النهي عن الإعضال (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) يدل على صحة البذل وصيرورته ملكاً للزوج وإلا يلزم ان يكون النهي موجباً لرفع القدرة على متعلقة مع أنّه لو تعلق مراده تعالى ببيان فساد البذل فكان الأولى أن يقال: لا تعضلوهن فإنّه أكل مال بالباطل.
ولكن مع ذلك كلّه أنّه إن اضطرت الزوجة إلى البذل لعدم قيام الزوج بأداء حقوقها الواجبة وجعلها كالمعلقة فيكمن التفصيل بين ما يمكن لها الرفع إلى الحاكم ومع ذلك تبذل الفدية فيجوز له لأنّ الفدية بيدها وبذلها باختيارها لعدم انحصار الطريق في البذل وبين ما لا يمكن لها الرفع إلى الحاكم فلا يجوز لاضطرارها في البذل لانحصار الطريق فيه ولا يحل أكل ما بذل اضطراراً.
-----------------------------------------------------------------------------
[1] ـ النساء (4): 19.

(485)


وأمّا قوله تعالى (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)(1) بمعنى «ولا يحل أن تعضلوهن» لكونه معطوفاً على (ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً) ظاهراً.
إن قلت: إنّ أكل الفدية بسبب الإعضال حرام مطلقاً ولو مع التمكن من الرجوع إلى الحاكم وعدم جوازه الاعن طيب النفس لقوله تعالى: (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)(2).
قلت: إنّ الآية ناظرة إلى الهبة غير المعوضة فلا ترتبط بباب المعاوضات. هذا أوّلا وثانياً أنّها في الإباحة بمراتبها العالية وأمّا أصل الإباحة فلا يعتبر فيه إلا الرضا وبعبارة أُخرى إنّ الأكل مع الهنائة والمرائة يعتبر فيه طيب النفس وأمّا أصل الأكل فيكفي فيه مطلق الرضا.
إن قلت: إنّ الطلاق مع بطلان الفداء يصير رجعياً فما تفعل المرأة إن رجع زوجها في العدة مع أنّ غرضها قد تعلق بالطلاق البائن حتى لا يتمكن الزوج من الرجوع فيها ؟
قلت: يرفع أمرها إلى الحاكم فيطلقها بائناً من باب الولاية على الممتنع.
إن قلت: كيف يطلقها بائناً مـن دون ان يكون خلعاً مـع اجتماع شرائط الرجعى ؟
قلت: إنّ الرجوع حق لا حكم فيصالحه الحاكم بعوض ولايته.
(نعم إن كانت الكراهة وطلب المفارقة من جهة إيذاء الزوج لها بالسبّ والشتم والضرب ونحوها فتريد تخليص نفسها منها فبذلت شيئاً ليطلّقها فطلّقها لم يتحقق الخلع، وحرم عليه ما أخذه منها).
-----------------------------------------------------------------
[1] ـ النساء (4): 19.
[2] ـ النساء (4): 4.

(486)


لكنه قد ظهر مما مر إنّما لا يتحقق الخلع إذا أتى بهذه الأُمور لغرض أن تخلع نفسها دون ما إذا لم يكن بهذا الغرض فما في المتن من الإطلاق غير تامّ.


(ولكن الطلاق صح رجعيّاً بالشرط المتقدم).
وفيه ما تقدّم.
(مسألة 15 ـ لو طلّقها بعوض مع عدم الكراهة وكون الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع ولم يملك العوض).
إجماعاً، ويدل عليه الروايات المستفيضة، إن لم تكن متواترة ولكن في النفس بالنسبة إليه شيء وهو أنّ الآية الشريفة (ولا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله) تدل على صحة الخلع عند الخوف من عدم إقامتهما حدود الله والمراد من حدود الله اعم مما يرتبط بحقوق الزوجين فيشمل كل الواجبات والمحرمات فلو خافت من ترك واجب أو فعل حرام بسبب هذا النكاح على الزوج أو على نفسها مع كون الأخلاق ملتئمة يمكن القول بأنّ مقتضى الكتاب هو أنّه يصح الخلع ويملك العوض.
(ولكن صح الطلاق بالشرط المتقدم).
وفيه ما مرّ.
(فإن كان مورده الرجعي كان رجعياً وإلاّ بائناً)(1).
هذا وفي المسألة كلام مبسوط يأتي في آخر الخلع فانتظر.
------------------------------------------------------------------
[1] ـ وقد مرّ منا الإشكال فيه خلافاً لما أفاده الأستاذ فراجع إن شئت. «المقرر».


(487)

(مسألة 16 ـ طلاق الخلع بائن لا يقع فيه الرجوع).
وذلك للأصل والإجماع والسنة وكذا الكتاب لأنّ الافتداء هو للتخلّص فثبوت حق الرجوع له ينافي الافتداء كما في الخلاف وكشف اللثام، مضافاً إلى أنّ مقتضى الأصل أيضاً ذلك.
إن قلت: إنّ استصحاب عدم الرجوع غير تام لعدم الحالة السابقة له لأنّ الشك إنّما يكون في أنّ الخلع هل وجد مع حق الرجوع أم وجد بدونه.
قلت: إنّ الاستصحاب وإن لم يجر في عدم الرجوع لما ذكر لكنه يجري في لوازم الطلاق وآثاره وإحكامه من حرمة النظر واللمس والوطئ وعدم وجوب النفقة وغيرها من الآثار فإنّها حرمت بالطلاق ومع رجوع الزوج يقع الشك في بقاء الحرمة وعدمه والأصل العدم وهذا نظير استصحاب اللزوم فإنّ العقد إمّا وجد لازماً وإمّا جائزاً فلا يكون للزوم حالة سابقة فلا يجرى فيه الاستصحاب ولكن يجري في احكام العقد وآثاره.
(ما لم ترجع المرأة فيما بذلت، ولها الرجوع فيه ما دامت في العدّة، فإذا رجعت كان له الرجوع إليها).
ويدل على جواز الرجوع إليها فيما رجعت في الفدية الإجماع والأخبار بل القاعدة وهي أن فساد البذل لا يوجب فساد أصل الطلاق ; لأنّ البذل ليس من أركان الطلاق بل باعث له فهي بضميمة قاعدة «كل طلاق رجعي إلا ما خرج بالدليل» المستفاد من قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) يفيد صحته رجعياً.
(مسألة 17 ـ الظاهر اشتراط جواز رجوعها في المبذول بإمكان

(488)


رجوعه بعد رجوعها، فلو لم يمكن كالمطلقة ثلاثاً وكما إذا كانت ممن ليست لها عدة كاليائسة وغير المدخول بها لم يكن لها الرجوع في البذل).

فإنّ في المسألة قولين :

احدهما : جواز رجوعها في البذل مطلقاً وهو الظاهر ممن أطلق جواز الرجوع أو أطلق جواز الرجوع في العدة مثل المحقق في الشرائع، ثانيهما : وهو الحق، اشتراطه بإمكان رجوعه في النكاح كما هو المحكي من غير واحد من الأصحاب بل عن المشهور. وذلك، مضافاً إلى أصالة عدم جواز رجوعها إلاّ مع امكان رجوعه في البضع ومضافاً إلى أنّه شبه معاوضة فجواز رجوعها من دون امكان رجوعه يستلزم وقوع المبذول بلا عوض ومضافاً إلى قاعدة نفي الضرر فإنّ ذهاب ماله (المهرية) من دون عود فائدة إليه ضرر عليه، أنّ المستفاد من النصوص ليس أكثر من ذلك فإنّه القدر المتيقن منها بل قد يقال: إنّ المستفاد منها هو الملازمة بين جواز رجوعها وإمكان رجوعه.
فمن ذلك صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا(عليه السلام) في حديث الخلع قال: «وإن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت»(1).
ومنها: موثقة أبي العبّاس البقباق، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك»(2).
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها «وينبغي له أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة وإن ارتجعت في شيء ممّا أعطيتني فأنا املك
----------------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث2.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث3.

(489)


ببضعك، وقال: لا خلع ولا مباراة ولا تخيير إلاّ على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوّجت زوجاً آخر ثم طلّقها يحلّ للأوّل أن يتزوّجها، قال: ولا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المباراة إلاّ أن يبدو للمرأة فيردّ عليها ما أخذ منها»(1).
فإنّ موارد هذه النصوص هو ما يمكن له الرجوع، بل قد يقال: إنّ المستفاد من صحيحة ابن بزيع وموثقة أبي العباس الملازمة بينهما، قضاء للشرطية، إذ الجملة الشرطية فيهما تقتضي الملازمة بين الشرط والجزاء فتأمل فإنّ الملازمة في صحيحة ابن بزيع إنّما وقع بين مشية المختلعة أن يرد ما اخذ منها وبين مشيتها أن تكون امرأته وكذا في موثقة أبي العباس البقباق وقعت الملازمة بين قولها بالرجوع في شيء من الصلح وقوله بالرجوع في البضع وعلى هذا فالأولى ما قلناه من أنّ القدر المتيقن من الروايات هو جواز رجوعها فيما يمكن للزوج في البضع ولا يستفاد منها جواز رجوعها مطلقا حتى مع عدم امكان رجوعه.
ومما يؤيد قول المشهور، كما أفاده صاحب الجواهر، هو أنّ اتفاق الأصحاب على تقييد جواز رجوعها بالبذل بما إذا كان في العدة مع خلو النصوص عنه لعلّه مبنىّ على التلازم المزبور، للعلم بعدم جواز الرجوع له بعدها، لصيرورة المرأة أجنبية كالصغيرة واليائسة اللّتين لا عدة لهما اللّتين قد استفاضت النصوص بكون طلاقها حيث يقع بائناً، فتقيد جواز رجوعها بالعدة مقدمة لجواز رجوعه حينئذ.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ تقييد الأصحاب جواز الرجوع بالعدة لعلّه كان بلحاظ المطلّقة ثلاثاً واليائسة والصغيرة حيث لا يجوز لهن الرجوع.
وتظهر الثمرة بين القول المشهور وغيره في المطلقة ثلاثاً لعدم تمكّن الزوج من
---------------------------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث4.

(490)


الرجوع في البضع فلا يجوز لها الرجوع على المشهور المختار ويجوز على القول غير المشهور حيث لم يشترطوا بإمكان رجوعه وأمّا في اليائسة والصغيرة فلا يجوز لهما الرجوع في البذل على كلا المبنيين للإجماع على أنّ رجوع المرأة في العدة جائز فإنّ الإجماع قد قيد بكون المرأة في العدة، واليائسة والصغيرة لا عدة لهما، ومنه يظهر ما في جعل عدم جواز الرجوع لليائسة والصغيرة ثمرة للنزاع من المسامحة.
(بل لا يبعد عدم صحة رجوعها فيه مع فرض عدم علمه بذلك إلى انقضاء محلّ رجوعه فلو رجعت عند نفسها ولم يطلع عليه الزوج حتى انقضت العدّة فلا أثر لرجوعها).
خلافاً لظاهر العلاّمة في القواعد وغيره، والحق اشتراطه بعلمه بالرجوع لأنّ الثابت من الأدلة المزبورة رجوعها في حال العلم بذلك فإنّ صحيح عبد الله بن سنان وموثق أبي العباس البقباق ظاهران بل نصّان في اختصاص جواز الرجوع بعلمه ولا يشملان صورة الجهل، لأنّ قول الزوج بالرجوع إلى البضع لا يكون إلا بعد علمه برجوعها إلى البذل وأمّا صحيح ابن بزيع الذي قد اعتبر في شرطه كونها امرأته «إن شاءت أن يرد إليها ما اخذ منها وتكون امرأته فعلت» فلا يستقيم أيضاً إلا مع علم الزوج بالرجوع، لأنّ كونها امرأته بمعنى كونها امرأته الرجعية فهو مجاز لم يرد منه معناه الحقيقي للإجماع على عدم كونها زوجة له إلا بعد رجوعه إليها ولا يكون الرجوع منه إلاّ بعد علمه بالموضوع ; قال صاحب الجواهر: «فاقرب مجازاته حال علمه الذي يكون فيه حينئذ أحق ببضعها»(1) وله وجه والأوجه ما قلناه من التلازم بين كونها امرأته وبين علمه برجوعها في البذل للإجماع المزبور فيختص بصورة العلم.
-----------------------------------------------------------------------
[1] ـ جواهر الكلام 33: 64.

(491)



فرع


هل المختلعة بعد الرجوع في البذل هي رجعية في جميع الآثار أو في خصوص جواز الرجوع لا غيره ؟ فيه وجهان ; من أنّها رجعية فيترتب عليه الآثار ويؤمي إليه ما في موثقة أبي العباس وصحيحة عبد الله بن سنان، ومن أنّها قبل رجوعها كانت بائنة، فعند الرجوع يشك في ترتب جميع الآثار والأصل عدمه.
والحق أنّها رجعية في جميع الآثار وذلك لصحيحة ابن بزيع حيث إنّ المراد من كونها امرأة له هو معناها المجازي واقرب المجازات كونها رجعية له من جميع الجهات فإنّها نزلت منزلة الزوجة على نحو العموم، وعموم التنزيل يقتضي ترتب جميع آثار الرجعية، ويؤيد ذلك وحدة السياق بين هذه الصحيحة وبين ما ورد في أنّ المطلقة الرجعية امرأة له وحينئذ لا يجوز له نكاح الاختها ولا الخامسة بعد رجوعها في البذل وأمّا قبله فلا اشكال في الجواز لانقطاع العصمة بينهما ولأنّها بائنة وهو خاطب من الخطاب، ولصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته «عن رجل اختلعت منه امرأته أيحلّ له أن يخطب أُختها من قبل أن تنقضي عدّة المختلعة ؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه وليس له عليها رجعة»(1). وكذا لعدم صدق الجمع بين الأختين، وعدم صدق نكاح الخامسة وغير ذلك كما في الجواهر والظاهر أنّ المراد من غير ذلك فيه هو عموم النكاح فإنّها أيضاً يقتضي صحة هذا النكاح وأمّا بعد تزويجه بالأخت أو الخامسة فلا يجوز لها الرجوع لعدم امكان رجوعه في البضع وقد مرّ اشتراطه به.
لا يقال: أنّه يتمكن منه أيضاً ولو بتطليق الأخت أو الخامسة مثلاً بائناً كما لو
---------------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 300، كتاب الخلع والمباراة، الباب12، الحديث1.

(492)


كانت صغيرة أو يائسة أو غير مدخول بها أو كان الطلاق خلعاً، فإنّه يقال: لا يمكن له الرجوع في البضع حال رجوعها في البذل وإمكان تمكنه فيما بعد لا يكون مصححاً له.

فرع


لو قالت له أنّها تأتي بأجنبي إلى الفراش، فذهب بعض الأصحاب على ما نسب إليهم، إلى وجوب الخلع وبعضهم إلى استحبابه، والحق أنّه مباح كما ذهب إليه صاحب الجواهر، واستدلّ للأوّل بأنّ ذلك منكر منها والنهي عن المنكر واجب وإنما يتم بالخلع وأجاب عنه في المسالك بـ «منع انحصار النهي في الخلع بل تأدّية بالطلاق المجرد عن البذل اقرب إليه وانسب بمقام الغيرة والنخوة من مراجعتها على بذل المال الحقير ويمكن أيضاً تأدّية بالضرب وغيره مما يدفع به المنكر»(1).
والحق أنّه ليس من هذا الباب أيضاً بل لا يجب عليه الطلاق أيضاً من باب النهي عن المنكر وذلك كما أفاده صاحب الجواهر لوجهين:
احدهما: أنّه لم يتحقق المنكر بعدُ، لمنع كون القول نفسه من دون تعقّبة بفعل منها منكراً.
وثانيهما: أنّه لا يجب رفع اليد عن الحق لدفع عصيان الغير وإلا لوجب عليه تحرير العبد المصرّ على ترك طاعة سيده أو هبة داره مثلاً إذا كانت مؤثرة في ترك المنكر ومن المعلوم عدم وجوب رفع اليد عن المال أو الحق مقدمة لخلاص الغير عن الحرام القادر على تركه بدون ذلك(2).
أقول: ما أجاب به صاحب الجواهر ثانياً في غاية المتانة والجودة ولكن يمكن المناقشة فيما أفاده أوّلاً لأنّ دفع المنكر أيضاً كرفعه واجب بل حقيقة النهي عن المنكر لا يتحقق في رفعه فإنّ ما ارتكبه فقد مضى وانعدم ولا يؤثر النهي اللاحق فيه.
-----------------------------------------------
[1] ـ مسالك الافهام 9: 411.
[2] ـ جواهر الكلام 33: 45.

(493)


فرع


هل يجوز للزوجة الرجوع في بعض البذل أم لا ؟ فيه احتمالات ثلاثة:

احدها: الجواز، لأنّ البذل غير لازم لها والرجوع فيه حقّ لها فكذا في بعضه، ويترتب عليه جواز رجوع الزوج أيضاً لأنّ رجوعه مترتب على رجوعها.

ثانيها: عدم الجواز، لأنّ مع رجوعها يصير الخلع طلاقاً رجعياً مع بقاء العوض وبينهما منافاة، وكما أنّ بذلها ابتداءً بعض المهر لا يوجب كون الطلاق رجعياً فكذلك مع بقاء البعض، فإنّ كون الطلاق رجعياً مع بقاء العوض في مقابله جمع بين المتنافيين.
وثالثها: جواز رجوعها في البعض وعدم جوازه للزوج، أمّا الجواز لما مرّ وأمّا عدمه له لبقاء العوض، ولا يخفى أنّ أضعفها أخيرها وذلك للملازمة بين الرجوعين ولاستلزام ذلك الضرر عليه خصوصاً فيما إذا رجعت في أكثر البذل وبقي قليل منه.
وقد ضعّف صاحب الجواهر الوجه الثاني أيضاً بأنّ مقتضى موثق أبي العباس وصحيح ابن سنان هو جواز رجوعها ببعض البذل وانّه يثبت له حق الرجوع بذلك ولا ينافيه بقاء البعض لأنّ العوض هنا هو المجموع دون البعض الباقي وإن كان صالحاً لأن يكون عوضاً لو وقع الخلع عليه، فيصدق حينئذ انتفاء العوض بانتفاء البعض ويثبت حكم الرجوع. ثم قال: «نعم الظاهر وجوب رد الجميع عليه إذا اختار الرجوع، لظهور ذيل صحيح ابن سنان في ذلك، بل هو مقتضى المعاوضة»(1).
أقول: هذا هو مقتضى الدراية في المسألة ولكن ليست معتمداً عليها في حدّ نفسها، فإنّ التلازم بين جواز رجوعها في الكل ورجوعها في البعض هو أوّل الكلام
-------------------------------------------------
[1] ـ جواهر الكلام 33: 68.

(494)


ولا دليل عليه، بل مقتضى المعاوضة خلافه وإن كان أحسن الوجوه هو الأول. هذا وأمّا الروايات فالظاهر البدوي منها هو التعارض بينها، فإنّ صحيحة ابن بزيع «وإن شاءت أن يردّ إليها ما اخذ منها وتكون امرأته فعلت»(1) ظاهرة في الرجوع إلى الجميع وكذا ذيل صحيحة عبد الله بن سنان، «ولا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المباراة إلاّ أن يبدوا للمرأة فيرد عليها ما اخذ منها» فإنّ «ما» الموصول فيهما من ألفاظ العموم والإطلاق، فيدل على جواز رجوعه في الجميع وفي مقابلتهما موثقة أبي العباس البقباق، قال(عليه السلام): «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعن في بضعك»(2) وكذا صدر صحيحة ابن سنان «وينبغي أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة وإن ارتجعت في شيء مما أعطيتني فانا املك ببضعك»(3) حيث إنّهما ظاهرتان في جواز رجوعها في بعض المبذول.
لكن التحقيق عدم التعارض بين الروايات لأنّ الأخيرتين إنّما هما لموضع الاشتراط. أمّا صحيحة ابن سنان فواضح وأمّا موثقة أبي العباس فلان التقييد بالقول قرينة على أنّ الباب باب الشرط لاباب بيان حكم الشرع فإنّ الحكم الشرعي بجواز الرجوع في البعض لا يدور مدار قوله برجوعه في البضع حتى يقيد بـ «يقول»، ومما يؤيد ذلك أنّ صحيحة عبد الله بن سنان أيضاً مقيدة بالقول كالموثقة ولا شك في أنّها ظاهرة في الاشتراط فكذا الموثقة ولا اقل من احتمال كونه من باب الاشتراط فمع الشك يحكم بجواز الرجوع وبدونه لا دليل عليه. ومنه يظهر أنّ الجمع بين الطائفتين بأنّ الطائفة الأولى ظاهرة في جواز الرجوع في الجميع من دون دلالة على عدم جواز
-----------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث2.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث3.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 293، كتاب الخلع والمباراة، الباب7، الحديث4.

(495)

الرجوع في البعض، والطائفة الثانية دالة على جواز الرجوع في البعض فتكون النتيجة جواز الرجوع في البعض كالرجوع في الجميع غير تام ومثله في عدم التمامية ترجيح الشهيد الثاني لصحيحة ابن بزيع على موثقة أبي العباس واعتماده عليها واستفادة عدم الجواز أيضاً ليس بتمام لأنّ فيه أوّلا تعارضه لذيل صحيحة ابن سنان، وثانياً لا مفهوم لصحيحة ابن بزيع. وكذا ظهر منه عدم تمامية ما في الحدائق من تأييد الموثقة وصحيحة ابن سنان بروايات المباراة ثم الاشكال فيها بأنّ الأصحاب لم يعملوا بروايات المباراة مع كونها بمرأى ومنظرهم وذلك منهم إمّا يدل على أعراضهم عنها وإمّا على حمل «من» في هذه الأخبار على البيانية دون التبعيضية. وذلك لأنّ المذكور في المباراة أيضاً هو الاشتراط كما فيما نحن فيه، والعجب من قوله بعدم عمل الأصحاب بها، لأنّهم قد تعرّضوا لجواز الرجوع في الكل في الخلع والمباراة، من دون تعرض للرجوع في البعض مع الاشتراط وواضح أنّه فرق بين عدم التعرض والاعراض، هذا أوّلا، وثانياً أنّ ما قلناه في روايات الخلع جار في روايات المباراة أيضاً من جواز الرجوع في البعض مع الاشتراط وعدمه بدونه.
(مسألة 18 ـ المباراة قسم من الطلاق، فيعتبر فيه جميع شروطه المتقدمة ويعتبر فيه ما يشترط في الخلع من الفدية والكراهة، فهي كالخلع طلاق بعوض ما تبذله المرأة، وتقع بلفظ الطلاق بأن يقول الزوج بعد ما بذلت له شيئاً ليطلّقها: «أنت طالق على ما بذلت» ولو قرنه بلفظ «بارأتك» كان الفراق بلفظ الطلاق من غير دخل للفظ «بارأتك» ولا يقع بقوله «بارأتك» مجرداً).
ويأتي الكلام فيه.

(496)


(مسألة 19 ـ تفارق المباراة الخلع بأمور: أحدها أنّها تترتب على كراهة كلّ من الزوجين لصاحبه، بخلاف الخلع فانّه يترتب على كراهة الزوجة خاصة، ثانيها أنّه يشترط فيها أن لا تكون الفداء بأكثر من مهرها بل الأحوط أن يكون اقلّ منه بخلاف الخلع، فانّه فيه على ما تراضيا، ثالثها أنّها لا تقع بلفظ «بارأتك» ولو جمع بينه وبين لفظ الطلاق يكون الفراق بالطلاق وحده، بخلاف الخلع فإنّ الأحوط وقوعه بلفظ الخلع والطلاق جمعاً كما مرّ).
ويأتي الكلام فيه أيضاً.
(مسألة 20 ـ طلاق المباراة بائن ليس للزوج الرجوع فيه إلاّ أن ترجع الزوجة في الفدية قبل انقضاء العدّة، فله الرجوع إليها حينئذ).

اعلم أنّه لا خلاف في اشتراط شروط الطلاق والخلع في المباراة، كما لا خلاف في ترتب احكام الخلع عليها، من حضور العدلين، ومن لزوم وقوعه في طهر غير المواقعة وغيرهما، ومن البينونة، ومن جواز الرجوع في البذل، وعليها النصوص ولا اشكال في ذلك كلّه،
إنّما الكلام بل الخلاف في أمرين :

الأمر الأول: أنّ الخلع يحصل بصيغة الخلع وإن لم يتعقبه الطلاق كما مرّ تفصيله، كما أنّه يقع بصيغة الطلاق، وكما أنّه يقع بصيغة الخلع المتعقبة بصيغة الطلاق، وهذا بخلاف المباراة فإنّ المشهور عدم وقوعها بصيغة المباراة بل ادّعي عليه الإجماع، فإنّ وقوعها إنّما هو بصيغة الطلاق ومع الانضمام لا اثر لصيغة «بارأتك»، لكن النصوص على

(497)


خلافه وليس فيها ما يدل على عدم وقوعها بصيغة المباراة بل هي بين صريح وبين ظاهر في عدم اشتراط صيغة الطلاق بل تتحقق بصيغة المباراة، والحق عدم تحقق الإجماع في المسألة، ولو سلّم فليس بحجّة لأنّه مدركيّ. وقد صرّح المحقق(قدس سره)(1) بعدم الأثر لصيغة المباراة ولكن قد نسبه في المختصر(2) إلى الأكثر وهو متأخر عن الشرائع، والأصل في الإجماع هو ادّعاء الشيخ(قدس سره) في التهذيب، قال: «الذي أعمل عليه في المباراة ما قدمنا ذكره في المختلعة وهو أنّه لا يقع بها فرقة ما لم يتبعها بطلاق وهو مذهب جميع أصحابنا المحصلين، من تقدّم منهم ومن تأخر»(3).
وهو ليس بصريح في اتفاق الكلّ لأنّه قال: أنّه المتفق بين المحصلين من أصحابنا، قديماً وحديثاً فانّه فرق بين «المحصّلين من الأصحاب» وبين «الفقهاء» منهم(4)، ومضافاً إلى ذلك أنّ الشيخ نفسه قد أحال المسألة إلى الخلع وأنّ حكم المباراة ما قدمناه في الخلع من أنّها تحتاج إلى الطلاق وقد حمل النصوص الدالة على حاجة الخلع إلى إتباعه بالطلاق على التقية.
وقد حقق صاحب الجواهر(قدس سره) المسألة بما هذا لفظه: «وبذلك انكشفت الغمة التي وقعت على جملة من المصنفين في المقام حيث أنكروا على الأصحاب اشتراط إتباع المباراة بالطلاق مع اتفاق النصوص صريحاً وظاهراً على خلافه، فمنهم من قدم إجماعهم عليها ومنهم من قدّمها عليه ولم يعلموا أنّ كلام الأصحاب مبني على ما
----------------------------------------------------
[1] ـ شرائع الإسلام 3: 44.
[2] ـ المختصر النافع 1: 204.
[3] ـ تهذيب الأحكام 8: 102.
[4] ـ وأنت ترى ما في هذا النقاش من الضعف الظاهر ; فإنّ المفهوم من التحصيل اليوم وفي عرفنا مختلف عما كان يريده مثل الشيخ(قدس سره) وكان يجري على ألسنة الناس في ذلك الزمان وهذا واضح. «المقرر»

(498)

ذكروه من صيغ المباراة التي هي كنايات في الطلاق والخلع كما صرحوا به في صيغة الخلع، كما أنّهم لم يعلموا أنّ ما في النصوص مبنىّ على المباراة التي هي الخلع المؤداة بصيغته لأنّها قسم منه وليست إيقاعاً جديداً اشتق لها صيغة من لفظها بل هي كالمرابحة والمحاقلة والمزابنة التي لا يشتق لها صيغة تقوم مقام البيع من لفظها، لأنها أقسام من البيع، وصيغتها صيغته، ولكن اختصّت بأسماء لمكان بعض أحكام، وكذلك المباراة التي هي خلع، ولذا استفاضت النصوص بعدم احتياجها إلى الاتباع بالطلاق كالخلع. وبذلك يظهر لك أنّه لا حاجة إلى الاستدلال للأصحاب بخبر «ليس ذاك إذا خلع» بناء على قراءته فعلاً حتى يستدل بمفهومه على احتياج المباراة للطلاق، مع أن صدره مناف لذلك، والتحقيق ما عرفت والحمد لله رب العالمين»(1).
أقول: لكنه لا يوافق صريح بعض النصوص لأنّ بعضها صريحة في عدم الحاجة إلى صيغة الطلاق وظاهرة في وقوعها بصيغة المباراة، فينبغي لحاظ النصوص والتكلم حولها.
فمنها: خبر حمران، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يتحدّث قال: «المباراة تبين من ساعتها من غير طلاق ولا ميراث بينهما لأنّ العصمة منها قد بانت ساعة كان ذلك منها ومن الزوج»(2). فهو ظاهر في كفاية صيغة المباراة وصريح في عدم الحاجة إلى صيغة الطلاق.
ومنها: ما رواه جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المباراة تكون من غير أن يتبعها الطلاق»(3).
----------------------------------------------------
[1] ـ جواهر الكلام 33: 91 ـ 92.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 296، كتاب الخلع والمباراة، الباب9، الحديث3.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 296، كتاب الخلع والمباراة، الباب9، الحديث4.

(499)

ومنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع كما مرّ، قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)«عن المرأة تباري زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع، هل تبين منه بذلك أو تكون امرأته ما لم يتبعها بطلاق ؟ فقال: تبين منه وإن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها وتكون امرأته فعلت. فقلت: فانّه قد روي لنا أنّها لاتبين منه حتّى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك إذاً خلع. فقلت: تبين منه ؟ قال: نعم»(1)

ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المباراة أن تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك، واتركني فتركها إلاّ أنّه يقول لها: إن ارتجعت في شيء منه فأنا املك ببضعك»(2). ويستفاد منها عدم الحاجة إلى صيغة «بارأتك».
ومنها: مضمرة سماعة، قال: سألته «عن المباراة كيف هي ؟ فقال: يكون للمرأة شيء على زوجها من مهر أو من غيره ويكون قد أعطاها بعضه فيكره كل واحد منهما صاحبه فتقول المرأة لزوجها: ما أخذت منك فهو لي، وما بقي عليك فهو لك، وأبارئك، فيقول الرجل لها: فإن أنت رجعت في شيء ممّا تركت فأنا أحق ببضعك»(3).
ومنها: ما رواه ابن مسكان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المباراة تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك واتركني، أو تجعل من قبلها شيئاً فيتركها إلاّ أنّه يقول: فإن ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك، ولا يحلّ لزوجها أن يأخذ منها إلاّ المهر فما دونه»(4).
---------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث9.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 294، كتاب الخلع والمباراة، الباب8، الحديث1.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 294، كتاب الخلع والمباراة، الباب8، الحديث3.
[4] ـ وسائل الشيعة 22: 295، كتاب الخلع والمباراة، الباب8، الحديث4.

(500)
ومنها: ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المبارئة تقول لزوجها: لك ما عليك وبارئني فيتركها، قال: قلت: فيقول لها: فإن ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك ؟ قال: نعم»(1).
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن امرأة قالت لزوجها: لك كذا وكذا وخلّ سبيلي، فقال: هذه المباراة»(2).
ومنها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، وهي قد مرّت(3).
فالحق وقوع المباراة بصيغة المباراة إن لم نقل بكفاية كلّ لفظ وقول يدل على المطلوب.
الأمر الثاني: هل تجوز المباراة ببذل المهر وأخذه كلّه أو يشترط كونها بدون المهر ؟ فإنّه قد قام الإجماع والنصوص على اشتراطها بعدم الزيادة ولا شك أيضاً في جواز اخذ الأقل وإنما الكلام والخلاف في جواز اخذ المساوي، وبعبارة أُخرى، هل الزيادة مانعة أو النقصان شرط ؟ فإنّ الروايات مختلفة، فبعضها تدل على عدم جواز اخذ المساوي بل لابد أن يقتصر على الأقل، منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «المبارئة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر، وإنّما صارت المبارئة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شاء لأنّ المختلعة تعتدي في الكلام وتكلّم بما لا يحلّ لها»(4).
والاشكال فيها بأنّ العلة المذكورة فيها مشتركة بين المختلعة والمبارئة فإنّ المبارئة
----------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 295، كتاب الخلع والمباراة، الباب8، الحديث5.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 288، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث3.
[3] ـ وسائل الشيعة 22: 286، كتاب الخلع والمباراة، الباب3، الحديث9.
[4] ـ وسائل الشيعة 22: 287، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث1.

(501)


أيضاً ربما تعتدى في الكلام كالمختلعة، مدفوع بأنّ اعتداء المبارئة غير اعتداء المختلعة فإنّه في المبارئة تقابل باعتداء الزوج ولا اقل من كراهته الموجبة لاعتدائها.
ومنها: موثقة سماعة ومفادها كصحيحة زرارة، قال: سألته «عن المختلعة فقال: لا يحلّ لزوجها أن يخلعها حتى تقول: لا أبرّ لك قسماً «إلى أن قال: » فإذا اختلعت فهي بائن، وله أن يأخذ من مالها ما قدر عليه، وليس له أن يأخذ من المباراة كلّ الذي أعطاها»(1).
وبعضها الآخر تدل على جواز اخذ المهر فما دونه، منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث المباراة قال: «ولا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه»(2).
فالروايات كما رأيت متعارضة فذهب عدة من الفقهاء إلى مفاد صحيحة أبي بصير لعدم كون الموثقة حجة في نظرهم والاشكال عليهم بأنّه لو سلم فإنّ رواية زرارة صحيحة تكافؤ صحيحة أبي بصير مدفوع بأنّ الحجة عند الشهيد الثاني إنّما هي للصحيح الاعلائى وهو ما يكون جميع رواته عدولاً قد شهد بها عدلان بالتنصيص وقد وقع في سند الصحيحة إبراهيم بن هاشم وهو وإن يستفاد وثاقته من جهات مختلفة لكن لم يوجد لها نص. وذهب بعض الفقهاء إلى امكان الجمع بينهما بالذهاب إلى استحباب كون المأخوذ دون المهر وكراهة أخذه بلا نقص وزيادة وحرمة الزيادة، وهو حسن لأنّ صحيحة أبي بصير صريحة في الحلّية وهما ظاهرتان في الحرمة على تقدير ظهور الجملة الخبرية في الإلزام فما جاء في المتن من الاحتياط يقيّد بالاستحباب.
-------------------------------------------------
[1] ـ وسائل الشيعة 22: 288، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث4.
[2] ـ وسائل الشيعة 22: 287، كتاب الخلع والمباراة، الباب4، الحديث2.

عنوان بعدیعنوان قبلی




کلیه حقوق این اثر متعلق به پایگاه اطلاع رسانی دفتر حضرت آیت الله العظمی صانعی می باشد.
منبع: http://saanei.org